ظافر وتقليم الأظافر…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
المناكير هنا في ألمانيا هي عملية الاعتناء بالأظافر لليدين والقدمين، ويختص بها الصينيون والتايلنديون، وأغلب الراغبات في إجراء عملية المناكير هن من النساء. ولكن الرجال هم الأكثر من يمارس مهنة المناكير ويتفنن فيها.
كلما أر صالونًا لهذه المهنة، تقفز إلى ذاكرتي صورة واحدة مشبعة بحنين غريب، وغالبًا ما تهطل من عيني دمعة تغسل عاطفة التذكر. تلك الصورة التي يظهر فيها أطفال مدرسة “العرفان” الذين يبلغ عددهم عشرين تلميذًا وهم يقفون في الاصطفاف الصباحي، يمدون أيديهم حتى يعاين المعلم المراقب أظافرهم ويتأكد من أنها مقلمة ومقصوصة. ونحن نعرف أنهم لا يملكون المقصات ولا يعرفونها، وإنما يقصون أظافرهم بأسنانهم كلما تطول… بالرغم من أن التلاميذ الذين هم في الرابع فما فوق نُشرح لهم أن تلك العملية – تقليم الأظافر بالأسنان – ليست صحية لأن الجراثيم ستدخل بطونهم وتوجعها بألم اسمه المغص المعوي من خلال الطين العالق بين الظفر والجلد.
يضحكون ويقوم التلميذ مسعد وحده ليناقشني في الأمر قائلًا: ما الفائدة من ذلك ما دمنا نحن نرعى في الطين حفاة لنجلب الجاموسات من المرعى؟ أيضًا تلك الجراثيم التي تقول عنها يا أستاذ إنها تدخل على بطوننا من أقدامنا.
تلميذ آخر أضحكني وقال متهكمٌ على العملية كلها: أستاذ، أبي دائمًا توجعه بطنه وأقول له قلم أظافرك وتعال قف معنا بالاصطفاف.
هذا التلميذ الذي أضحك التلاميذ وأضحكني اسمه ضافر، وهو الوحيد الذي يقص أظافره بصورة منتظمة ويعلل ذلك بأنه لا يريد لبطنه أن تتألم مثل بطن أبيه. وحين سألته: هل تقص أظافرك بمقص أم بسكين حادة؟
فقال: أستاذ، قريتنا كلها لا نعرف المقص في بيوتنا ونشاهده مرة واحدة كل ثلاثة أشهرا عندما يأتي إلى قريتنا الحلاق “سالم” من الجبابش ليقص شعرنا نحن وآباءنا. ولكنني أوصيت أمي لتشتريه لي من دكان في الجبايش عندما ذهبت تبيع القيمر صباح كل اليوم، وقد رسمته لها على ورقة بعدما أريتنا إياها ذات يوم وقلت لنا: بهذه الآلة تقص الأظافر. أمي أرت الورقة لصاحب الدكان وأعطاها واحدة بعشر فلوس.
وطالما أسعدني مشهد ظافر وهو يقلم أظافر التلاميذ أثناء الفرصة وهم يجلسون أمامه بفرح ويشعرون أن الجراثيم لن تدخل بطونهم… ولكنه امتنع عن تقليم أظافر زملائه يوم أصبحوا يطلقون عليه لقب ظافر مقص الأظافر… ونسيوا اللقب عندما تركو المدرسة حين أكملوا السادس أو الخامس وذهب كل واحد إلى قدره. وأغلبهم ورثوا عن آبائهم مهمة رعي قطعان الجاموس والبعض منهم تطوع جنديًا أو ذهب ليخدم العسكرية مجندًا. وظافر كان قدره أن يتطوع في صنف المشاة… وأصادفه بين الحين والآخر في وقت إجازته وعندما أصافحه انتبه إلى أظافره دون أن يعلم فاراها مقصوصة بعناية فأعرف أن مقصاته ما زالت معه.
ذات فجر أيقظني، امتزج فيه شعاع بدايات شروق الشمس مع نعاس القصب الأخضر ودخان مواقد بيوت القرية وهي تطلق مع شخير الرجال لحظة انتظار غير متوقعة تجعل النساء يهرعن بالعويل والرجال يركضون بفزع عندما توقف في شريعة ضفة الهور مشحوفًا يحمل نعش ظافر وقد سكنته طلقة قناص بصدره. ومع معلمي المدرسة وقفنا بصمت باكٍ أمام النعش ونحن نتذكر الأيام التي كان فيها ظافر تلميذًا يحب الحياة ولا يريد للجراثيم أن تدخل بطنه. فجأة توجه المأمور صوبنا وقد عرفنا من هيئتنا أننا معلمو المدرسة وسأل عن اسمي فقلت له: أنا تفضل. قال: هذا مظروف أوصاني ظافر قبل موته أن أوصله إليك.
أخذت المظروف وبمجرد ما لمسته حتى دون أن أفتحه لأعرف أن ما في داخله هو مقص الأظافر.

اترك رد