منبر العراق الحر :
بالقرب من موقف الباص، يتخذ من أحد الأرصفة في الشارع الرئيسي مكانا لعرض بضاعته وكسب قوته اليومي بعرق جبينه دون أن يمدّ يده متسولا ومتوسلا لأي كائن بشري في هذا العالم.
الفحم أمامه في المنقلة يصبح أحمر والقوري الفافونيّ الذي يعتلي رأس الكيتلي الكبير يتمّوسق مع أزيز الماء اذ يتصاعد البخار ويحرك غطاء القوري. يعدّل الرجل من وضع كوفيته ويضع الشاي في القوري وبعدها يهدر صوته قائلا:
– حار الشاي يا وَلَد…تعال واشرب قدح شاي العمر المُهيّل من يد عمك:( أبو صالح)
تتجمّع قربه شلة من المراهقين المزعجين. يسمعونه كلماتٍ نابية وهو منهمك بغسل أقداح الشاي والملاعق الصغيرة ليرتبها بعد ذلك في الصحون التي تأخذ مستقرها الوديع في صينية فضيّة نظيفة. يعيدون عليه الكلمات النابية وهو ينظرمليّاً نحو أقداح الشاي. يتظاهر بعدم الاكتراث بما يسمعه من هؤلاء المتطّفلين الصغار. أقف بقربه لأحتسي قدحا من الشاي. أنظر إليه بوقار وثمّة فوران وأزيز في داخلي يشبه فوران الماء في الكيتلي الكبير الذي يعتلي رأسه المفتوح القوري الصغير. يقرأ ما يجول بخاطري ويقول مبتسما:
– يا إبن أخي هؤلاء الصغار مثل أقداح الشاي معرضة للوساخة والكسر في آن..تحتاج عناية وإهتماما من صاحب الشأن.
فكرت في قوله الذي جرّتني كلماته التي يقطر منها عسل الحكمة إلى المقهى الصغير الذي كان يمتلكه والدي قبالة مدرستي الإبتدائية. كان شاي والدي ( المهيَّل) حديث المعلمين في مدرستي إذ كانوا يطلبون مني في الفرصة أن أذهب إليه ليجلب لهم ما يطلبونه من شاي كان يعمله على الفحم.
حدّقت بعمق في سحنة هذا الرجل الكادح الطيّب. شرعت عيناي تجوبان خرائط تجاعيد وجهه وكأنني أقرأ فيها دفاتر
السنين العجاف التي دوّنتها أصابع حشد من المصائب التي ألَمّت بالرجل وفتكت براحة ريعان شبابه.
تتعالى أصوات شلّة المراهقين المندفعين صوب بائع الشاي من أجل ايذاءه والتلّذذ بكسر أقداح الشاي. تتجسّد أمامي صورة
مدرستي وصياح التلاميذ عند مغادرة الصفوف بعدإنتهاء الدرس الأخير، إذْ أذهب إلى البيت لأغيّر ملابسي وأجلب الغداء لوالدي لنتغدى معاً في المقهى. في بعض المرات وعندما تكون المقهى مزدحمة؛ لا أذهب للبيت، أضع حقيبتي المدرسية الجلدية في أحد الرفوف، وأشرع بمساعدة والدي بغسل الأقداح والصحون والملاعق الصغيرة ، ووضع قناني ( البيبسي) الفارغة في صناديقها التي عادةً ما يضعها أبي تحت التخوت أو القنفات التي يجلس عليها الزبائن. يتعالى صياح الشلّة ويعلو صوتي موّبخاً لهم بعد أن هيأت قبضة كفّي لكسر أنف أحدهم حينما يحاول الإقتراب من أقداح شاي والدي.
يبتسم العم أبو صالح ويربت بهدوء على كتفي مهدئاً من فوران وأزيز روعي. يتعالى صياح الشلّة وهم يفرّون إلى الرصيف في الجهة المقابلة من الشارع. أعود من رحلتي في وجه الرجل الصبور..بائع الشاي..والدي. تلك الرحلة التي أعادت لي الكثير من خرائط الذكريات التي فقدتها منذ زمن
بعيد، لكنها أفقدتني بوصلة الباص الذاهبة صوب المكان الذي أعمل وأعيش فيه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر