بلاغة الجسد السياسي….د. عدنان طعمة

منبر العراق الحر :
تمثل هذه الصورة مادة أولية لتحليل ابتدائي يندرج ضمن إطار التحليل النقدي للخطاب، وهو المجال الذي تخصصت فيه واشتغلت عليه وبحثت فيه في بحوثي المنشورة وأطروحتي للدكتوراه.
في هذه الصورة، يقف الرئيس الأمريكي والرئيس العراقي جنبا إلى جنب، رافعين إبهاميهما إلى الأعلى، وهي إشارة عالمية تترجم عادة إلى (كل شيء على ما يرام) أو نجاح، أو رضا، لكنها في الخطاب النقدي السياسي تحمل دلالات أعمق من البساطة الظاهرة للعيان، وان كانت للغة التي نحلل بها كما يقول بول ريكور خيانة نبيلة فهي تمارس نوعا من التأويل، أي أنها لا تنقل الواقع بل تعيد صياغته، وتخون الأصل لتمنحه شكلا قابلا للفهم، وهذا دلالة على خيانة تفسيرية لا خداعية. وفي كل الأحوال تبقى (اللغة بيت الوجود) كما قال هايدجر، أي أن الانسان لايسكن العالم إلا عبر اللغة، فالإيماءة عند ترامب، الذي اشتهر باستعمال الجسد كأداة للخطاب، تمثل إعلانا عن التفوق والثقة بالنفس والهيمنة، فهي ليست مجرد إشارة إيجابية بل توكيد رمزي على القوة والقدرة على التحكم بالسرد وإن كل شيء على ما يرام. أما عند السوداني، فتبدو الإشارة محاولة لعكس صورة متوازنة من القبول والانفتاح، وإظهار وئام دبلوماسي مع قطب عالمي، أي أنها رسالة تطمين وان حكومته منفتحة ايجابيا على المجتمع الدولي .
الصورة تشتغل ضمن (بلاغة الجسد السياسي)، إذ يتحول الجسد إلى نص مواز للغة، يكتب عبره القادة معنى التوافق أو الخضوع أو المشاركة. اللونان المتقابلان في ربطة العنق، الأحمر لترامب، والأزرق للسوداني، يكملان البنية الرمزية للصورة، فالأحمر يدل على الإرادة والسلطة والاندفاع والتفوق والسيطرة، بينما الأزرق يرمز إلى التوازن والانضباط والبحث عن استقرار. ونرى خلف ترامب والسوداني شعار يوحي بالسلام، لكن اللغة البصرية توحي بأن هذا السلام مشروط بتوازن القوى. هكذا تتحول الصورة إلى مسرح رمزي يجمع بين الجسد والسياسة والدلالة، يد مرفوعة في الظاهر للسلام، لكنها في العمق تفاوض صامت بين سلطة القوة لترامب وسلطة التمثيل للسوداني.

قد تكون صورة ‏المكتب البيضاوي‏

اترك رد