فوز ممداني ، زلزال سياسي ….. د . أنور ساطع أصفري .

منبر العراق الحر :وُلد زهران ممداني في أوغندا ، وسط عائلة مسلمة ، وأسرة هندية الأصل ، وعُرف بدراساته النقدية التي كشفت آثار الاستعمار على العالم الثالث ، ودعوته الدائمة إلى الحرية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة .
هاجر إلى أمريكا وهو في سن السابعة من عمره ، وعمره الآن 34 عاماً ، وبذلك يكون أصغر حاكمٍ لولاية نيويورك منذ أكثر من 100 عام .
تعرّف ” ممداني ” في عام 2021 على راما دواجي وهي رسّامة سورية ، أمريكية ، ومن عائلة مسلمة ، حصلت على ماجستير الفنون الجميلة ، من كلية الفنون في نيويورك ، وتمت خطبتهما في أكتوبر 2024 ، وتزوّجا في حفلٍ مدني في نيويورك في أوائل عام 2025 .
لم يكن معروفاً لدى سكّان نيويورك ، وكانت سيرته الذاتية عاديّة .
انتقد إسرائيل ، ونادى بفرض عقوباتٍ عليها ، وإيقاف دعمها ، وسحب كل أشكال الاستثمارات منها ، كما طالب باعتقال نتنياهو .
أثناء حملته الانتخابية زار المساجد ، وتحدّث عن ارتفاع أسعار الوجبات الغذائية وأجور المنازل في نيويورك .
آخذين بعين الاعتبار بأن ” زهران ممداني ” هو ثمرة تربية فكرية وإنسانية عميقة من خلال والده محمود ممداني ، أحد أبرز الباحثين في مجال الاستعمار ، والسياسة الأفريقية والعلاقات الدولية .
كان فوزه بولاية نيويورك بمثابة ضربة قوية لترامب ” الرئيس الأمريكي ” .
وعلى هامش فوز ” ممداني ” ودعماً له ، فازت الديمقراطية أبيجيل سبان برغر بسهولة بمنصب حاكم ولاية فرجينيا . وفي نيوجرسي فازت الديمقراطية سيكي شيريل بمنصب حاكم الولاية . كما فازت الديمقراطية عضوة مجلس الشيوخ غزالة هاشمي بمنصب نائبة حاكم فرجينيا .
لكن يبقى ” ممداني ” الصوت الهادر النابع من الجيل الجديد ، وديمقراطياً بعنف وتقدميّاً .
العنوان الأساسي للحملات الإنتخابية كان المخاوف الاقتصادية النابعة من تصرفات ” ترامب ” .
ومعظم الناخبين هم ” غاضبون ” أو ” غير راضين ” عن الأوضاع الاقتصادية والعامة في البلاد ، حيث أن ضرائب الممتلكات تُمثّل مشكلة كبيرة ، وتكلفة السكن هي الأبرز ، إضافة إلى التأثّر الكبير بإغلاق الإنفاق الحكومي .
نتائج الإستطلاع تُشير إلى أن الأغلبية يشعرون بأنهم غير قادرين على التقدم في ظلّ الوضع الاقتصادي الحالي ، ويُشعرون بأنهم ثابتون على وضعهم ولا يستطيعون التطور .
ما حدث في نيويورك ليس حدثاً عابراً في أجندة السياسة الأمريكية ، بل كان بكل معنى الكلمة زلزالاً سياسياً واضح المعالم ، حيث أن فوز ” ممداني ” يُمثّل التحدي الصريح للهيمنة ونفوذ الإمبراطورية الأمريكية .
المسألة بحد ذاتها ليست فوز ” ممداني ” بولاية نيويورك ، بل هي التحوّل الأكيد في الوعي لدى جيل الشباب الأمريكي ، الذي جاء وعبّر عن نفسه على هامش اندلاع طوفان الأقصى ، الذي اهتز الشارع الدولي حوله .
إنّ فوز ” ممداني ” كان الصوت العاكس لمجريات الأمور في فلسطين المحتلة ، وفوزه يعني إنتصاراً لصوت الحق وحقوق الإنسان في الشارع الأمريكي .
إنّ فوز ” ممداني ” هو تحدٍ صارخ في وجه اللوبي الصهيوني ، ويضع المبادئ الإنسانية في المقام الأول ، وبنفس الوقت هو فضح للازدواجية في المواقف الأمريكية التي تطالب بإيقاف الحرب في أوكرانيا ، وبنفس الوقت تطالب بتدمير غزّة وقتل أبنائها وتشريد الفلسطينيين من أرضهم ، وتدافع عن حقوق الإنسان في مكانٍ ما ، وتُبرر الجريمة وقتل الإنسان في غزّة وفي فلسطين بمجملها .
إن فوز ” ممداني ” في حقيقته يُمثّل ناقوس الخطر لدى اللوبي الصهيوني في العالم ، وفي نيويورك بشكلٍ خاص ، حيث يُعتبر أكبر لوبي صهيوني في العالم .
من الواضح أن اليهود وخاصّة في أمريكا لم يعودوا أسرى لخطاب اللوبي الصهيوني ، ولا لخطاب الكيان المحتل ” من البحر إلى النهر ” ، بقدر اهتمامهم الآن بالمواقف الإنسانية والمعيشية ، ولقد قال أحد اليهود حول فوز زهران ممداني ، قائلاً :
” إنّه شاب نشيط يقف إلى جانب المهاجرين الفقراء والطبقة العاملة التي تُحرّك المجتمع ، و اليهود يقفون إلى جانبه ويقدمون له الدعم والنصح .
يرى المراقبون أن فوز ” ممداني ” قد يؤدّي إلى ولادة تيار يساري أمريكي جديد ، يُعيد التوازن السليم داخل الحزب الديمقراطي ، وهنا تكمن أهمية فوزه ، حيث أنّه لا يُمثّل تحدياً لنظامٍ سياسي فقط ، بل يُمثّل تحدياً أخلاقياً واقتصادياً في بلدٍ جعل الإنسان مُجرد قطعةٍ صغيرةٍ في آلةٍ ضخمة لخدمة رأس المال .
زهران ممداني لو كانت ولادته في أمريكا لكان الطريق أمامه ممهداً للوصول إلى البيت الأبيض ، لكن ولادته كانت في أوغندا ، لذلك فإن الطريق إلى البيت الأبيض بالنسبة لزهران ممداني هو طريقاً مُغلقاً .
ومع ذلك فإن نيويورك هي بوصلة تعكس مختلف التوازنات في الأمبراطورية الأمريكية ، وفوز ممداني يعكس فعلاً تحوّلاً جذرياً ، ورفضاً قطعياً وضمنيّاً لاحتكار جماعات بعينها لصوت نيويورك ومكانتها في صناعة القرار الأمريكي .
وفي حقيقة الأمر الواقعي الآن إن الأجيال الجديدة في أمريكا إن كانت من أُصول آسيوية وعربية أو لاتينية وأفريقية ، بدأت تُعيد تشكيل الهوية الأمريكية بعيداً عن توصيات البيت الأبيض وتوجّهاته .
لذلك نقول أن فوز ” ممداني ” هو ليس مجرد إنجاز شخصي ، بل هو زلزال سياسي ، وإعلان عن بداية تشكيل جيلٍ جديد من النخبة السياسية التي ترى العالم من خلال رؤية أكثر شمولية وإنسانية ، وليس من منظور المصلحة الأمريكية ومكاسبها .
من الواضح أنّه بعد طوفان الأقصى حدث شرخ مؤكّد بين يهود أمريكا خاصّة بين جيل الشباب ، الذي يرفض الصهيونية ويقف ضدها باعتبارها مشروعاً عنصرياً ، وبين الجيل القديم الذي يقف إلى جانب إسرائيل والصهيونية ، فمعظم الشباب اليهود في الجامعات الأمريكية يرفضون ربط صوتهم بسياسة إسرائيل ، ويُطالبون بفصل الدين عن فكر تل أبيب .
وهذا التحول بمفرده يُشكّل دلالات عميقة الجذور في ميزان القوى داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي ، وهذا يعني بصريح العبارة أن الرئيس الأمريكي القادم لن يكون مضطّراً للتفاخر بنسبة عطائه واندماجه مع السياسة الإسرائيلية ، لإعطاء صورة معتدلة لأمريكا على المستوى الدولي .
لذلك نجد أن فوز ” ممداني ” أحدث شرخاً عميقاً في جدار الهيمنة الأمريكية المعمول بها ، لخلق عصرٍ سياسي جديد تُشارك فيه هويات شابة كانت مُهمّشة في صناعة القرار الأمريكي .
طبعاً هكذا تحوّل يحتاج إلى جهدٍ وزمن ، ويكفي الآن أن الوعي الجمعي للناخب الأمريكي قد تغيّر ، وبدأ يُميّز الانحياز الأعمى الجارف تجاه إسرائيل ، وأن أمريكا الجديدة ليست هي التي تُدار من خلال لوبيات قديمة ، بل من خلال الميادين السياسية ، والجامعات والشوارع المفتوحة التي تُعبّر عن رأيها ، وتصوّت للتنوّع والعدالة وللإنسان بشكلٍ عام .
وبالمصّلة يتوضّح لدينا أن الفوز الذي حققه زهران ممداني يحمل بصمات ودلالات سياسية قد تكون خطيرة بمثابة زلزال سياسي ، ومؤشرات مُبكّرة على قدرة الحزب الديمقراطي الأمريكي على تجديد نفسه من خلال ولادة جيل قادر على كسب ثقة الشارع السياسي الأمريكي .
فوز ” ممداني ” يُترجم على أنّه تحوّل عميق في وجدان أمريكا من خلال جيلٍ يبحث عن إنسانية الإنسان ، وإنسانية السياسة ، وجيلٍ واعٍ يُعيد رسم هويته ودولته من جديد .
هكذا تمضي الأيام والتاريخ يُراقب ، ويُخرج من رحمِ الظلم صوتاً يُعبّر عن الحقّ والكرامةِ الإنسانية ، ومن قلب امبراطوريات الجريمة ، صوتاً للضمير الإنساني .
وما كُنّا نعتقد أنّه مستحيلاً ، أصبح ممكناً .
إنّ ما حدث في غزّة أيقظ الضمير الجماهيري الدولي ، والوجدان الشعبي العالمي ، لكنّه لم يُوقظ ضمير الأنظمة العربية .
وما جرى في نيويورك يُؤكّد بأن الكلمة موقف ، ولا لن تموت ، وأنّ العدل لا بُدّ أنّه قائم مهما طالت الأيام .
جرس التحوّل قد انطلق ، وما حدث في نيويورك هو بمثابة نبوءة لما سيحدث في الولايات المتحدة في الغد .

‫في الجمعة، 24 أكتوبر 2025 في 11:17 ص تمت كتابة ما يلي بواسطة ‪As Asfari‬‏ <‪asasfari@gmail.com‬‏>:‬
المثقف العربي والفكر المعاصر بين الواقع والطموح .
د . أنور ساطع أصفري .

قبل أن نغوص في أعماق الفكر المعاصر ، والتدوين العربي الجديد ، جميلٌ أن نتوقّف قليلاً لنتأمل واقع المثقف العربي الذي يُعاني كثيراً من التهميش والإحباط ، بسببٍ رئيسي يتجلّى بغياب مشروع النهضة القومية الخاصّة بالأمّة ، وبالتالي غياب أي مشروعٍ حضاري أو ثقافي عربي مشترك .
الواقع الذي يعيشه المثقف أو المفكر العربي يُدركه الجميع ، فهو ليس بمعادلةٍ كيميائية أو فيزيائية مُعقّدة ، بل حتّى أبسط المتابعين والذين هم من خارج الوسط الثقافي والفكري يُدركون تماماً أن الواقع الثقافي والفكري في تراجعٍ ملحوظ ، وينحدر رويداً رويداً نحو الهاوية .
نعم هناك متحدّثون عن خططٍ ومشاريع ثقافية ، وقد أكون أحدهم ، ولكن هذه الخطط أو المشاريع لا تعدو إلاّ محاولات فردية ، وكل الأبجدية التي نتحدث من خلالها ما هي إلآّ من باب التمنّي ليس إلاّ ، لأن الواقع يحتاج إلى تكاتفٍ فاعل و جاد وجهدٍ جماعي عربي ، ومؤسساتي من أجلِ أن نقول بأننا نخطو الخطوة الأولى السليمة نحو الأفضل ، أو نحو برّ الأمان .
فلو كانت الأوضاع على الساحةِ العربية شبيهة بأوضاعها في منتصف القرن الماضي ، أعتقد لكانت العملية أسهل وأيسر ، لكن منذ حوالي نصف قرن اختلطت الأمور واختلف الواقع الذي نعيشه كثيراً ، فهناك تأثيراً وتأثّراً بالثقافة الغربية التي تسللّت حتّى إلى منازلنا وغرفِ نومنا ، مع كاملِ اعترافنا بأن الأجهزة الإعلامية والثقافية العربية لعبت دوراً كبيراً في تفكيك الكيان الفكري والتعليمي والتربوي والثقافي العربي .
حيث أن أرضية التفاعل الفكري والثقافي العربي الآن هي أرضية هشّة ، وهذا لا يعني نهائياً بأن التقصير من الجانب الأدبي أو الثقافي أو الفكري ، بل التقصير وقولاً واحداً هو من جانب السلطات العربية العليا المسؤولة على إدارة هذا المنحى .
حتّى في مناحٍ أخرى هناك تهميش مفتعل من قبل السلطات على نشاطات اقتصادية بعينها ، أو تجارية ، حتّى أفراحنا بحاجةٍ إلى موافقةٍ مُسبقة ، وهذا يؤكّد بأنه من أجل أن تكون هناك إمكانية للتفاعل الفكري والثقافي العربي لا بُدّ أولاً من إعادةِ النظر في كلّ خطاباتنا السياسية والإعلامية والتربوية والثقافية والاقتصادية والدينية ، كي تكون هناك إمكانية فعلية لنشاط المجتمع العربي في مختلف مجالاته .
والمقصود هنا هو لفت الإنتباه إلى أن كل تقصير على الساحةِ العربية مردّه إلى قرارات سياسية سلطوية .
نحن عشنا خلال نصف القرن الماضي حالة صراعٍ بين الحداثة والأصالة ، آخذين بعين الاعتبار بأن أغلبية ذلك الصراع كان مُفتعلاً ، فالحداثة هي شيء طبيعي جداً ، وعند كلّ الشعوب ، لكن عندما نختلف وبعناد حول الحاضر والماضي ، فإننا وقولاً واحداً سنخسر المستقبل ، هناك شعوب شهدت حداثة قوية في مجتمعاتها ، لكنها لا تزال تتمسّك بثوابتها وقيمها ، وتتغنّى بتراثها الأصيل الذي تعتبره خطاً أحمراً أمام الجميع .
نحن ما يقلقنا هو التبعية والتي تتمدد أخطارها لتصيب كل جانبٍ وكلّ مجال ، وغياب الديمقراطية على الساحة العربية تعني بأن المعّول الفاعل على أرضية الأمّة هو معول السلطان .
الجهاز الإعلامي على الساحة العربية يحتكر ويُشوّه كل الأمور ، يحتكر الرأي والتعبير والتدوين ، وكلّها أجهزة روتينية ، لا تملك التعبير عن رأيها ، لأنها أسيرة مراكز القرار ، وهدفها الأساسي هو التمجيد وعلى الدوام بالسلطان وبمن حوله الذين يملكون القرار .
في منتصف القرن الماضي كنّا نقرأ كُتباً تتناول حرية الرأي والتعبير ، وحقوق الإنسان ، وكلّها كانت تضع المواطن والوطن في المقام الأول ، لكن بعد تلك الآونة ، وجدت الأجهزة الحاكمة الجديدة بأن بقاء الأمور على ما هي عليه يؤثّر سلباً على بقاء القرار بيدها ، وخوفاً من خروج الواقع عن السيطرة ، بدأوا يُروّجون شعارات ” سلامة الأمّة ” و ” سلامة الأمن العام ” و ” الإنضباط ” ، بهدف الحفاظ على الفساد السياسي والحكومي العام .
وهكذا تمّ إفراغ هذا المحور بكامله من محتواه ، وتمّ فرض الرقابة على كل شيء ، من أجل أمن الوطن واستقراره كما روّجوا .
وتم اعتقال الكتّاب وأصحاب الرأي الحر والمدونون ، لأن معظمهم كانوا ” إنسان ” واضحون ، صادقون بكل كلمةٍ يخطّونها .
إن المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية الفاسدة ترتدي ثوب الأيديولوجيا المشبوه الذي يُبرر كل الأفعال والمتغيرات من خلال شعاراتٍ يتم من خلالها استقطاب البسطاء من أبناء الشعب ، آخذين بعين الاعتبار بأن الدول الأخرى تلتزم بايديولوجيتها بعيداً عن الزيف أو التلاعب ، حيث أن الوضع في بلادنا العربية مختلف ، لأن الأيديولوجيا عندنا عبارة عن رداء ليس إلاّ ، وهناك فوارق كبيرة بين النظرية والممارسة على أرضية الواقع .
فبين أجنحة الأيديولوجيا عند العرب يوجد الجمود وعدم الرغبة بالتطور ، ومحاولة إبقاء الحال على ما هو عليه ، والتمسّك بالنموذج المعمول به ، وفي هكذا حالة نفتقد الإبداع ، نفتقد الفكر الإيجابي ، والثقافة والبلاغة والتجديد والسياسة والاقتصاد .
ولو تأمّلنا جيداً في تاريخنا نجد أن مفهوم البلاغة يفتقد أي علاقة بالمفهوم الفكري ضمن البيئة التي نمت فيها ، بينما كانت وثيقة الصلة بالأصول وعلم الكلام والنحو والمنطق .
إنّ الإنسان السوي مُكلّف بالاجتهاد وتجديد المفاهيم في حياته ومحيطه وفي البيئة التي يحياها ، وفي الوطن والأمّة .
لكن الأمّة الآن في حالةِ إنهيار وتردٍ ، ولعلّها لم تشهد حالة تفكك وتقزّم كما هي عليه الآن ، وهذا التردّي هو شامل وعام ، لا استثناءات فيه ، لذلك من الضروري أن تكون هناك صحوةٌ توقظ الجميع قبل فوات الأوان ، لا بُدّ من تحرير العقل العربي وإعادة بناء فكر وثقافة الأمّة ، كي نستطيع أن نُعيد للأمّة مكانتها ودورها التاريخي والثقافي والفكري ، كي تُكمل مسيرتها على أُسس واضحةٍ وسليمة مع الحفاظ على التعدد والتنوّع الذي ذخرت به ثقافياً وحضارياً وتاريخياً .طبيعة الاستشراف عند الإنسان لا تتحقق لأي كان ، لأنها صفة تنطبع في ذاكرة المبدعين الذين يتخطّون الواقع ليحلّقوا في عالم من الاستشراف يستمدونها من خلال معطيات الواقع ، فترتد عليهم صوراً استشراقية معاصرة تُنبّىء بما يمكن أن يحصل في المستقبل الإبداعي ، المثقف والمبدع هو الذي يتحد مع ذاته فيرى في مجتمعه و وسطه ما لا يراه عامّة الناس .
فيرى عدم إمكانية بذل الجهود الإصلاحية بسبب هيمنة الجمود والروتين الممل على فكر وثقافة الأمّة ، وانتشار مظاهر الاستبداد والظلم وقمع الحريات والكلمة الحرّة ، وعدم توحّد رؤى الإصلاح والتغيير ، لكونها محكومة بتبعات مرجعية تختلف رؤاها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار .
الاستعمار الحديث اكتفى بموضوع التبعية لكافة بلدان المنطقة ، وصادر منها قرارها السياسي والثقافي والفكري والعسكري والاقتصادي فمات الإبداع والتطور .
لذلك نحن بأمسِ الحاجة إلى تجديد الإبداع الثقافي والفكري ، والأمّة ليست بحاجةٍ إلى الخروج عن الرؤية الكلية التي تُحدد مسيرتها وخصائصها ومكوناتها ومقوماتها . الإبداع هو شمول واستيعاب بشكلٍ مُجرّد ، وهو الذي يرصد كل التحديات لمختلف مناحي الحياة ، وهو الذي يطرح بل ويؤسّس لكل البدائل الحضارية والثقافية والجمالية وسواها ، وهو الذي يُحرّض العقل العربي الذي يرفض الرتابة والانحباس والصمت ، وهو الذي يتراجع أمام الغزو السياسي ومصالحه الفئوية .
فمن خلال الرؤية السليمة ، فإن ما يعنينا في المقام الأول هو الإنسان ، الذي يملك الوعي والعقل والممتلك مناهج معرفية لا يمكنها أن تستمر بدون هدفٍ تروم إليه .لذلك فإن مفاهيم الفكر المعاصر تُقيّم الإنسان ونصوصه إن كانت دراسات أدبية أو لغوية أو نقدية ، وهذا التقييم النقدي ينبثق من خلال أُسس فلسفية وفكرية تتناول كل شيء شكلاً ومضموناً .
إنّ النقد المعاصر يغوص في ماهيّات الأمّة والأجيال أو شخصيات في الجانب التاريخي ، ويعمل على تفسير خصائصها وتحوّلاتها وتطوراتها ، ويُفنّد الفوارق تماماً بين أدباء العصر الواحد ، في بيئةٍ واحدة ، ومن شأن ذلك أن يجعل من النص وثيقةً مهمة .
وفي الجانب الاجتماعي الذي انبثق من الجانب التاريخي ، يؤكّد الفكر المعاصر، والنقد المعاصر أن ” الفن للفن ” ويؤمن بالأدب الملتزم والهادف ، والذي يخدم المجتمع والإنسان ، وهو من المناهج الأساسية في الدراسات الأدبية والنقدية .
وبالتالي هو فكر معاصر ، ومنهج يُوثّق الأمور ويربطها بشكلٍ جيد ، ليضعها بين طرفي الأدب والفكر والمجتمع ، بحيث يكون الأدب هو الممثّل للحياة على مستوى الجماعة أو الجمهور ، والمجتمع هو المنتج الأساسي والراعي للأعمال الأدبية ، والمتلقي هو الحاضر في ذهن الأديب ، وهو وسيلته وغايته في آنٍ واحد .
و وفق الفكر الماركسي فإن نتيجة التطور الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي وارتباطه بالتطور الإبداعي الأدبي لا تظهر مباشرة ، بل تحتاج لمرور أجيال وعصور حتّى يتفاعل الأدب مع ظواهر التطور المختلفة ويكتسب القوّة منها .
وفي مجال المنهج الاجتماعي فهناك اتجاهان ، الاتجاه الكمّي ، الإتّجاه الجدلي ، ولكن في الفكر المعاصر والنقد الحديث لم يكن لهذا المنهج روّاد مقتنعون به ، يربطون بين الإنتاج المادي والإنتاج الأدبي .
وهناك المنهج الأسلوبي فإنّه يحتوي على الاسلوبية التعبيرية ، والأسلوبية البنائية ، والأسلوبية الأدبية ، والأسلوبية اللغوية ، والأسلوبية الاجتماعية ، و أسلوبيات أخرى مثل الصوتية والوظيفية .
وهناك مناهج عديدة حديثة ، وكلّ منها أسلوبه الخاص في معايرة الخطوات ، وكل المناهج المعاصرة تعتمد على آليات عمل ووسائل وأدوات يطبّقها الناقد على النص من خلال خطةٍ واضحة للمدخلات والمخرجات والخطوات .
إنّ حاضرنا العربي لا يزال هشّاً ، يطمح إلى تحقيق لحظةٍ نهضوية ، وهذه النهضة لا تتحقق من خلال اعتمادنا على تراث غيرنا ، فالنهضة ليست سلعة كي نستوردها ، بل هي نتاج انتظام الجماهير في مشروعٍ نهضوي تنويري يُحقّق نهضة كل المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، ولا بُدّ من طرح السبل والوسائل لتحقيق هكذا هدف ، من خلالِ برنامج عملٍ متكامل يُعبّر عن رأي وطموح المواطن ” الإنسان ” دون أي وصايةٍ أو إملاء .

‫في الخميس، 2 أكتوبر 2025 في 4:24 م تمت كتابة ما يلي بواسطة ‪As Asfari‬‏ <‪asasfari@gmail.com‬‏>:‬
الأمّة العربية وكواليس الشرق الأوسط الجديد .
د . أنور ساطع أصفري .

بدأ مؤتمر ” كامبل ” في لندن بشكلٍ سرّي في عام 1905 واستمر لغاية عام 1907 . وكان كامبل رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت ، إنّها وثيقة كامبل بانرمان .
ولقد ركّز المؤتمر على أساسيات تتضمن العمل على استراتيجية أوروبية لضمان سيادتها على العالم ، ولقد شارك في المؤتمر عدة دول ” فرنسا ، هولندا ، أسبانيا ، بلجيكا ، إيطاليا ، إضافةً إلى بريطانيا .
وأكّد المؤتمر أن المنطقة العربية والبحر الأبيض المتوسط هما الشريان الحيوي للعالم ، والممر الطبيعي إلى كلٍّ من آسيا وأفريقيا ، وأن الإشكالية الحقيقية هي أن هذه المنطقة هي مهد الأديان والحضارات ، وأن شعب هذه المنطقة هو شعب واحد يجمعه التاريخ واللغة والدين .
ولقد شارك في المناقشات التي استمرت عامين سياسيون وباحثون ومفكرون وفلاسفة ومؤرخين وعلماء الاستشراق والجغرافيا والاقتصاد ، إضافة إلى خبراء اختصاصيون في مجال الزراعة والنفط والاستعمار .
وبعد سلسلة مطوّلة من المناقشات خلال عامين أكّد المؤتمر على ضرورة إبقاء شعوب هذه المنطقة مُفكّكة ، يحكمها الجهل والتخلّف . ومحاربة أي مسعى لوحدة هذه الدول ” الدول العربية ” ولتحقيق ذلك لا بُدّ من إقامة دولةٍ في فلسطين تكون قوية وغريبة ومعادية للعرب ، وصديقة للدول الأوروبية وترعى مصالحها ، وتفصل الدول الأفريقية العربية عن الدول العربية في الجانب الآسيوي ، وبالتالي تكون مهمتها خلق البلبلة الدائمة في المنطقة العربية وإحباط أي مشروع وحدوي فيما بينها ، وهذه الدولة ستكون ” إسرائيل ” .
واعتمد المؤتمر تشكيل مجموعات دائمة للمتابعة ، وكانت أهم توصية اتخذها مؤتمر لندن – كامبل – هي إقامة دولة ” إسرائيل ” .
نعم كانت ” إسرائيل ” وفيّة لمصالح الغرب ، وكانت الحاجز المنيع الغريب والمعادي للعرب تماماً كما أوصى مؤتمر كامبل ، كما استطاعت أن تخلق البلبلة في المنطقة لتكون سدّاً منيعاً أمام أي محاولة لتحقيق وحدة المنطقة العربية .
بدأ التحضير لاتفاقية ” سايكس بيكو ” عام 1915 ، وفي إبريل – مايو – عام 1916 بدأ مشوارها وبقيت سرّية لغاية عام 1917 ، إلى أن أصدر بلفور وعده ، وتضمّن ” أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطنٍ قومي للشعب اليهودي في فلسطين ” .
بعثر هذا الوعد تاريخ شعب فلسطين بأكمله ، دون أن يذكره بلفور حتّى في رسالته ، وكانت كلمات بلفور تُشكّل الضوء الأخضر نحو احتلال أرضٍ من فلسطين وإعلان دولة الاحتلال عام 1948 ، و لتمرير أمور دولة الإحتلال تمّ وضع فلسطين تحت وصاية الإنتداب البريطاني .
والبنود الأساسية لوعد بلفور تم وضعها سرّاً عام 1915 ، والتي نصّت على هزيمة الإمبراطورية العثمانية وتوزيع أراضيها بين المستعمر الفرنسي والمستعمر البريطاني ، وتم توقيعها من قبل الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو ، والبريطاني مارك سايكس عام 1916 ، حيث بدأ الانتداب البريطاني على أرض فلسطين عام 1920 واستمر لغاية عام 1948 ، ومن ثُمّ أعلنت الصهيونية دولتها في فلسطين .
ومن ثُمّ جاءت اتفاقية ” سان ريمو ” في إبريل عام 1920 بهدف تحديد مصير الدول العربية بعد سقوط الدولة العثمانية .
وبعد قرنٍ من الزمن ، ومنذ انطلاق ما سُمّي بالربيع العربي 2011 وإلى الآن ، من يُتابع الأمور يُدرك أن هناك ” سايكس بيكو ” جديد ، لتفتيت المُفتت ، وكانت البداية في السودان ، وكذلك تقسيم اليمن طائفياً ، وتقسيم ليبيا عشائرياً ، ودول الوطن العربي كلها على اللائحة واحدة تلو الأخرى .
أكثر من قرنٍ مضى ولا يزالون يلعبون بمصير العرب ، بأرضهم ، حتّى بقراراتهم ، بحيث أصبح القرار العربي بيد الغرب نتيجة حتمية للتبعية العمياء التي التزم بها الحكّام العرب .
وهكذا أصبحت الدول العربية متخلّفة متأخرة عن دول العالم الأخرى ، رغم أنها تملك كل المقومات والثروات المختلفة بما فيها الباطنية ، هكذا خطّطوا لنا .
افتقدنا الإيمان بالإبداع ، وبحرية الإعلام والصحافة ، وبالقلم الحر ، وكل دول العالم تقدمت بشكلٍ ملحوظ عندما تحرر الفكر وعندما أُطلقت الحريات .
علاقتنا بالدين أصبحت مُشوّشة بعد أن اعتلى المنابر شيوخ جهلة ودعاة عنفٍ وتطرف . تشرذمت الدول العربية وافتقدت القدرة على التوحّد في المواقف أو في كيانات سياسية أو اقتصادية لها سيادتها .
وكانت التبعية بمثابة تيسير الأمور أمام الغرب الذي صادر حتّى القرار العربي إن كان عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً وسوى ذلك .
افتقدت المنطقة العربية النظام الاقتصادي ، ساد الفساد في كل مكان ، هاجرت الأموال العربية ، والتي تُقدّر الآن بحوالي تريليوني دولار، وانتشرت الأطماع في المنطقة العربية ، ونشطت في العقدين الأخيرين دول إقليمية وخططت لنفسها مشاريع من أجل الهيمنة والاحتلال ، فتم إنشاء ميليشيات ومرتزقة مسلّحة داخل البلدان العربية ، وتشكّلت أطماع تركية ، وأطماع إيرانية ، وأطماع خليجية ، وانتشر الإرهاب الذي تم تمويله بأموالٍ مشبوهة لأسبابٍ هستيرية متطرفة ، تتبنّى الأفكار الإجرامية التكفيرية ، وأعادت الشعوب العربية عشرات السنين إلى الوراء .
لقد أُستخدم مصطلح ” الشرق الأوسط ” لأولِ مرة وبشكلٍ رسمي من قبلِ الولايات المتحدة عام 1957، وأول من دعا إلى شرق أوسط جديد هي وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 ، وتلا تلك الدعوة حرب أهلية في العراق ، ومن ثُمّ تكررت الدعوة إلى شرق أوسط جديد مع أحداث ما يُسمّى بالربيع العربي ، ” الذي هو ربيعاً عبرياً بامتياز ” ، حيث انتشرت الطروحات الطائفية ، والدعوات القومية ، وبدأت دول تنهار مثل اليمن وليبيا وسورية والعراق ولبنان والسودان ، ولا تزال هذه الدول تشهد الفوضى الخلاّقة وتختلف نسبتها من دولةٍ إلى أخرى .
واليوم تزداد وتتعالى الدعوة إلى شرق أوسط جديد مع تفاقم الأحداث في غزّة والضفّة ، وفي سورية أيضاً ، حيث بوادر الانقسام السياسي والجغرافي يبدو واضحاً في لبنان وسورية والعراق كأمرٍ واقع ، وإن لم يأخذ الشكل الرسمي المُعلن .
إنّه الشرق الأوسط الجديد الذي تروم إليه ” إسرائيل ” ، والذي من خلاله سترسم خارطتها الجغرافية التوسعية والسياسية والاقتصادية على حساب الدول العربية ، وفرض شروطها على الأنظمة العربية .
وكلّ ما نتمناه وبإرادة الشرفاء الأحرار من أبناء الأمّة أن لا تمر هذه المؤامرة الصهيونية .
إن إدخال المنطقة في حروبٍ أهلية وطائفية ، وعمليات تدمير منظومة الجيوش العربية ، ترتبط بشكلٍ مباشر بالحديث عن ” شرق أوسط جديد ” .
إن الأنظمة العربية والشعوب العربية على مفترق طرق ، فهل سيكون بإمكانها مواجهة المؤامرة واحباطها ؟، وهل بإمكانهم صياغة أوضاعهم وأوضاع شعوبهم ، والحفاظ على جغرافية الإقليم ؟.
إن الإستراتيجية الدولية تمّت دراستها وبدقة ، وفق مصالح الدول المعنية والنافذة ، التي تتحكّم بالعالم ، وبعد تلك الدراسة التي استمرت لسنوات ، يتم الآن البدء بتنفيذ تلك الإستراتيجية بكل تفاصيلها ، وبدأت تتضح معالم وسمات الشرق الأوسط الجديد ، من خلال ما يتسرّب من ملامح وأسرار وتفاصيل تصل إلينا بشكلٍ بطيءٍ وجزئي .
رغم أن الصراع حول الشرق الأوسط يُعتبر الصراع الأكثر تعقيداً على المستوى الدولي ، ولكن الكيان الصهيوني المحتل استطاع أن يخترق هذا الواقع الشرق أوسطي ، والعرب يبدو أنهم لا مُبالون ونيام ، افتعل الكيان الصهيوني حروب وتدخلات في جبهاتٍ إقليمية مثل سورية وفلسطين ولبنان والسودان وإيران ، والضغط على المنطقة مستمر من قبل الصهيونية ، بهدف تحقيق المبتغى وتنفيذ ورسم ملامح الشرق الأوسط الجديد وتشعباته الإقليمية والدولية .
وأمام هذا الواقع على إيران إمّا الاستسلام والانصياع ” لإسرائيل ” وأمريكا ، والتخلي عن التقنية النووية ، أو أن تتحمّل الحصار بكل أشكاله الإقتصادي والمعيشي بالنسبة للشعب الإيراني ، وتوسّع المواجهة وفق إمكانياتها وحلفائها غير المنظورة .
إنّ الأسرار المُسرّبة تؤكّد بأن العديد من الدول العربية هي مع الشرق الأوسط الجديد بشكلٍ سرّي ، ومع ما تُخطط له إسرائيل في قطاع غزّة وفلسطين ، وبعض الدول العربية تتمسّك بقطاع الضفة الغربية .
وعلى هامش هذه الإستراتيجية الجديدة ستقوم أمريكا بتخفيف تواجدها العسكري في قطر وبعض المناطق الأخرى ، بهدفِ إنشاء قاعدة عسكرية جديدة على سواحل البحر الأحمر ، وسوف تحمل هذه القاعدة إسم ( أي أس أي جونكر ) .
ومن المتوقع أن يكون هناك خطر روسي بالنسبة لتركيا الذي قد يصلهم عن طريق البحر الأسود ومضيق البوسفور والدردنيل، وبنفس الوقت سيكون هناك تنافس إقليمي بين طهران وأنقرة ، ومن المتوقع أن تكون هناك مواجهة عسكرية أمريكية روسية وصينية ، كما سيتم تأهيل المملكة العربية لتكون مملكة كبرى على حساب نظام فيدرالي خليجي ، بعد أن تأخذ إسرائيل شمال السعودية ، وهذا سيمنح آفاقاً واسعة لخط التجارة الدولي الذي تتبنّاه ” إسرائيل ” مع أوروبا والهند .
وكلّ هذه الأمور ستشد الخناق على مصر ، وهو سبب كافٍ لتأجيج صراعٍ إسرائيلي – مصري ، فيما إذا لم ترضخ القيادة المصرية لكامل الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية جملة وموضوعاً ، والتي رسمتها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ، والتي تشمل المنطقة برمّتها ، كما تتضمن إقصاء كل من يخالف أو يُعارض المدّ الإسرائيلي ، وتحويل دول المنطقة إلى كنتونات هشّة وكيانات مُطبّعة مستسلمة ، تنشغل بتنمية نفسها ، كما سيتم إقصاء كلّ المحاور والجماعات التي تناهض ” إسرائيل ” ، ومحاصرة الأنظمة التي لا تنسجم مع المنطق الإسرائيلي ، ومع منطق التحالفات الغربية .
المنطق الذي تتصرف ” إسرائيل ” من خلاله ، والذي يقوده نتنياهو يرتكز على التفوّق العسكري بشكلٍ أساسي ، وهذا التفوق لا يحتاج لاتفاقيات أو مقترحات للسلام ، بل هناك منطق القوة الذي يفرض إيقاعاً جديداً على المنطقة بمجملها ، تصفية القضية الفلسطينية بالقوة ، وتفكيك النفوذ الإيراني ، وتفكيك الأنظمة العربية ، لتكون ” إسرائيل ” هي من تقود الإقليم ، وليس مصر أو السعودية .
فكيف سيكون الموقف الإيراني ؟ ، وكيف سيواجه هذه الإستراتيجية ؟، وكيف سيواجه العرب هذه المخططات الإسرائيلية ؟ ، وهل سيتبلّور موقف عربي تركي جديد لمواجهة الطموحات الإسرائيلية ، ويتم تشكيل محورٍ جديد ؟، مجرد تساؤلات ليس إلاّ .
أيّاً كانت الأمور فإن الرؤية لا تزال مشوّشة ، وكل الاحتمالات قائمة ، إيران لا تزال قوية ، ورغم الضربات الإسرائيلية فإنّ المفاعل النووي الإيراني لا يزال ينبض وبخير ، وإيران جادة ومستمرة في مشروعها ، واحتمالات المواجهة الإسرائيلية التركية لا تزال مطروحة ، حيث أن كلّ منهما يريد بسط نفوذه ، ومصالحه ومخططاته على الجغرافيا السورية على الأقل ، كما أن المحور الأمريكي مع حلفائه الأوروبيين يبدو في المرحلة الراهنة أضعف من محور الصين وحلفائها ، والعرض العسكري الصيني الأخير بمناسبة اليوم الوطني الصيني حمل أكثر من رسالة من خلال ما تمّ عرضه من أسلحةٍ متطوّرة وخطيرة عند الصينيين .
إن ما حدث ويحدث على الساحة الفلسطينية والعربية يؤكّد أن الشارع السياسي العربي مشحون ويشعر بالغربة والعزلة ، ويحمل حسّاً وطنياً وقومياً بشكلٍ عام ، ولكي يأخذ الشباب دورهم وبشكلٍ فاعل ، على الدول العربية استعادة قرارها ، والعمل بزخمٍ من أجل إعادة تشكيل مستقبل المنطقة ، بعيداً عن البؤرة الاستيطانية المحتلة ، وعدم السماح لها بامتلاك قرار المنطقة ومسار الأحداث فيها نحو سايكس بيكو 2 ، وتعزيز أمن ” إسرائيل ” ، علماً أن حلّ الصراع في فلسطين وإقامة دولةٍ فلسطينية من شأنه الحدّ من كلّ التوترات ويؤسس شرق أوسط أكثر أماناً واستقراراً وسلاماً .
الجميع يُدرك أن واقع الدول العربية مُعقّدٌ وشائك ومتواطئ بنفس الوقت ، والأنظمة تُدرك بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد يؤكّد هيمنة ” إسرائيل ” على الإقليم ، وتصفية القضية الفلسطينية بالقوة ، وإقصاء أي طرفٍ من المشهد الإقليمي يُعارض ” إسرائيل ” .
أمّا الشعوب العربية معظمها يرفض أي مشروع ينال من الأمّة ويتجاوز القضية الفلسطينية ، في الوقت الذي تتمتع فيه دول عربية بعلاقات منفتحة مع ” إسرائيل ” ضمن مسار حسابات سياسية وإقتصادية بعيداً عن تبنّي الرؤية الإسرائيلية .
إن إسرائيل تعتمد على التفوّق العسكري لفرض سياستها وتوجهها بهدف أن تصبح مركزاً للتكنولوجيا والطاقة في المنطقة ، وتفكيك الدول التي قد تنافسها في الإقليم .
ويبقى الموقف الشعبي العربي وأحياناً الرسمي موقفاً ذو حساسية من أي مشروع هو عبارة عن إملاء خارجي أو استعماري جديد .

اترك رد