العراق بين صراع النفوذ وإعادة بناء الدولة… د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :.. ( قراءة سياسية معمّقة في مستقبل دولة مركزية تبحث عن استقرارها )..

العراق ليس دولة عادية في خريطة الشرق الأوسط، بل هو قلب المنطقة سياسياً وثقافياً وجغرافياً واقتصادياً.
ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، يعيش العراق سلسلة من التحولات العاصفة التي جعلته ساحة لتنافس إقليمي ودولي ومختبراً لإعادة تشكيل مفهوم الدولة الحديثة في بيئة معقّدة تتداخل فيها الهويات المصالح، الموارد، والضغوط الخارجية.
وإنّ فهم المشهد العراقي يتطلب قراءة شاملة للداخل والفاعلين الخارجيين وللتحديات البنيوية التي تعيق انتقاله من دولة متعبة إلى دولة قادرة.

أولاً : الجغرافيا السياسية للعراق… لعنة الموقع ونعمة الموارد.
لطالما شكل موقع العراق ميزة استراتيجية جعلته مركزاً للصراع والاهتمام.
فهو :
_يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في المنطقة.
_يشرف على معابر تربط الخليج ببلاد الشام وتركيا.
_يحتضن دجلة والفرات عماد الحياة منذ آلاف السنين.
_يمتلك عمقاً تاريخياً وثقافياً قلّ نظيره.
لكن هذه المزايا تحوّلت إلى لعنة جيوسياسية، إذ جعلت العراق :
1. ساحة لتنافس القوى الكبرى.
2. منطقة نفوذ تتصارع عليها ثلاث قوى إقليمية: إيران، تركيا، الخليج.
3. نقطة حساسة في صراع الولايات المتحدة–إيران.
4. هدفاً للتنظيمات المتطرفة التي تبحث عن فراغ سياسي.

ثانياً : الدولة العراقية بعد 2003… بين إعادة البناء وتكريس الانقسام.
سقطت الدولة القديمة، لكن الدولة الجديدة لم تكتمل بعد ومن أبرز ملامح الإخفاق البنيوي :
1. نظام سياسي قائم على المحاصصة
وتقاسم القوى السياسية للسلطة أنتج دولة ضعيفة منقسمة، وعاجزة عن اتخاذ قرار موحّد.
2. تعدد مراكز القوة.
وجود قوى عسكرية وسياسية خارج الإطار الحكومي جعل القرار الوطني مشتتاً بين الفاعلين.
3. صراع الهويات
تضارب الهويات الفرعية (المذهبية، القومية المناطقية) على حساب الهوية الوطنية أدى إلى هشاشة العقد الاجتماعي.
4. الاقتصاد الريعي
اعتماد العراق بنسبة تتجاوز 90% على النفط جعله رهينة أسعار السوق العالمية وعاجزاً عن خلق تنمية مستدامة.
5. ضعف المؤسسات
غياب التخطيط الاستراتيجي، وتراجع الكفاءات، وتضخم البيروقراطية، كلها أسباب أدت لتآكل قدرات الدولة.

ثالثاً : التدخلات الإقليمية والدولية… العراق في قلب معركة النفوذ يجد العراق نفسه اليوم ساحة تصادم صامت بين :
1. إيران
التي ترى في العراق عمقاً استراتيجياً وأمناً قومياً وتستخدم النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري لتعزيز دورها.
2. الولايات المتحدة
التي تريد إبقاء العراق ساحة نفوذ تمنع صعود خصومها، وتسعى لحماية مصالحها النفطية والأمنية.
3. تركيا
الساعية إلى ترسيخ نفوذها في شمال العراق عبر ملفات المياه، الأمن القومي، والاقتصاد.
4. دول الخليج
التي تحاول العودة بقوة إلى الملف العراقي اقتصادياً وسياسياً وتوازناً مع النفوذ الإيراني.
وبذلك أصبح العراق ممرّاً استراتيجياً لكل المشاريع المتضاربة، دون أن يمتلك مشروعه الوطني الصلب حتى الآن.

رابعاً : المجتمع العراقي… قوة كامنة تبحث عن تمثيل.
على الرغم من كل الصراعات، يملك المجتمع العراقي ميزات استثنائية :
_شعب فتي بنسبة شباب تتجاوز 60%.
_قدرات بشرية عالية رغم الظروف.
_وعي سياسي وثقافي عميق.
_إرث حضاري يربط الناس ببلدهم رغم الألم.
لكن هذه القوة لم تُترجم سياسياً بسبب انقسام النخب، وغياب القيادات الكاريزمية، ووجود أحزاب عاجزة عن مواكبة تطلعات الجيل الجديد.

خامساً : الاقتصاد العراقي… بين الفرص الهائلة والعقبات المزمنة.
يمتلك العراق واحدة من أغنى البنى الاقتصادية في الشرق الأوسط، لكنه يعيش
أزمات بنيوية :
1. اعتماد شبه كامل على النفط.
2. غياب الصناعات المحلية.
3. بطالة واسعة.
4. هجرة العقول.
5. بيئة استثمارية طاردة.
لكن الفرص موجودة بقوة :
_الزراعة يمكن أن تُعيد العراق لاعباً في الأمن الغذائي.
_الغاز الطبيعي غير المستثمر يمكن أن يجعل العراق قوة طاقة إقليمية.
_الموقع الجغرافي يؤهله ليكون مركزاً تجارياً يربط الخليج بتركيا وأوروبا.
_الإعمار يمكن أن يخلق ملايين الوظائف خلال عقد.

سادساً : مستقبل العراق… ثلاثة مسارات محورية :
1. مسار الإصلاح والسيادة.
يتحقق إذا :
_توحد القرار السياسي.
_تمت إعادة بناء مؤسسات الدولة.
_تم إنهاء الاعتماد المفرط على النفط.
_تم وضع استراتيجية حكومية بعيدة المدى (10–20 سنة).
هذا المسار يجعل العراق دولة مستقلة وفاعلة إقليمياً.
2. مسار الفوضى
وقد يحدث إذا :
_استمرت الصراعات الداخلية.
_تفاقم التدخل الخارجي.
_انهارت مؤسسات الدولة لأسباب اقتصادية أو سياسية.
وفي هذا السيناريو يصبح العراق أرضاً مفتوحة للصراع.
3. مسار التوازن بين القوى.
وهو المسار الأكثر واقعية حالياً، حيث يعيش العراق بين النفوذ الإيراني–الأمريكي–التركي–الخليجي، ويحاول التعايش مع التوازنات دون قدرة كاملة على الحسم.

سابعاً : طريق العراق إلى الدولة القوية.
حتى يعود العراق إلى دوره الطبيعي، يحتاج إلى :
1. سيادة كاملة لا تتجزأ.
2. مشروع وطني يتجاوز الطوائف والقوميات.
3. تجديد الطبقة السياسية عبر الدفع بقوى شابة وكفاءات جديدة.
4. اقتصاد منتج يحرر الدولة من رهن النفط.
5. مؤسسات مهنية تحكمها الكفاءة لا المحاصصة.
6. علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح لا المحاور.
وفي نهاية المطاف يمكن القول ان العراق ليس دولة منهكة كما يُشاع، بل دولة أُنهكت لكنها قادرة على النهوض وان قوته الحقيقية ليست في ثرواته فقط، بل في شعبه، موقعه، وعمقه الحضاري.
والمستقبل العراقي سيُكتب بإرادة العراقيين وحدهم حين يقررون أن يكون العراق مشروعاً وطنياً لا ساحة صراع.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد