اسمُه العراق… ودرعه الجيش ….كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
ليست ذكرى تأسيس الجيش العراقي مناسبةً للاحتفال ببدلاتٍ رسمية ولا لاستعراضاتٍ تُنهيها الموسيقى العسكرية، بقدر ما هي لحظة مساءلة عميقة لفكرة الدولة نفسها: كيف وُلدت، وكيف تترنّح، وما الذي يبقيها واقفة رغم كل هذا التاريخ من الجراح. فالجيش، في التجربة العراقية، لم يكن مؤسسةً عادية، بل كان العمود الفقري لمشروع الدولة منذ لحظة تشكّله الأولى.
حين تأسس الجيش عام 1921، لم يولد في فراغٍ سياسي، بل في بيئةٍ مرتبكة، تتنازعها الهويات، وتثقلها الوصاية، وتفتقر إلى تعريفٍ واضح لمفهوم “الوطن”. لذلك كان الجيش أول محاولة عملية لصهر المتعدد في كيانٍ واحد، وأول لغةٍ مشتركة بين ابن المدينة وابن الريف، بين الجنوب والشمال. لم يكن نجاحه كاملاً، لكنه كان — ولا يزال — التجربة الأكثر تماساً مع فكرة العراق الجامعة.
غير أن تاريخ الجيش العراقي لم يكن خطاً مستقيماً. تعرّض منذ وقتٍ مبكر لحمولات السياسة، فصار أحياناً أداةً في يد السلطة بدل أن يكون حارساً عليها. هنا تبدأ المعضلة الكبرى: حين يفقد الجيش مسافته عن السياسي، يبدأ الوطن بخسارة توازنه. الانقلابات، الحروب العبثية، الزجّ بالمؤسسة العسكرية في صراعات لا تعكس إرادة الشعب، كلّها تركت ندوباً عميقة، لا في جسد الجيش وحده، بل في ثقة الناس به.
ومع ذلك، فإن المفارقة العراقية اللافتة أن الجيش، رغم كل ما مرّ به من تشويه وتسييس وتفكيك، ظلّ يعود في اللحظات الحرجة بوصفه الملاذ الأخير. حين انهارت الحدود المعنوية للدولة، وحين تمدّد الإرهاب على خرائط الخوف، لم يكن السؤال: من يحكم؟ بل من يحمي؟ وهناك، عاد الجيش — أو ما تبقّى من روحه — ليملأ الفراغ، ويستعيد تعريفه الأساسي: حماية المجتمع قبل حماية النظام.
إن ذكرى التأسيس اليوم تفرض قراءة مختلفة، أقل عاطفية وأكثر صراحة. فالعراق لا يحتاج جيشاً قوياً بالسلاح فقط، بل قويًا بالشرعية. جيشاً لا يُختصر في طائفة ولا يُستعار لحزب، ولا يُستعمل كورقة ضغط في صراعات داخلية أو إقليمية. فالجيوش التي تفقد حيادها الوطني تتحوّل تدريجياً من درعٍ إلى عبء، ومن رمز سيادة إلى مصدر انقسام.
السياسة، بطبيعتها، متقلّبة ومصلحية، أما الجيش فيفترض أن يكون ثابتاً كالجغرافيا. كلما اقترب من السلطة أكثر مما ينبغي، ابتعد عن الشعب أكثر مما يُحتمل. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس في عدد القطعات ولا في نوع التسليح، بل في بناء عقيدة عسكرية تؤمن بأن العراق هو الغاية، لا الوسيلة.
ذكرى التأسيس ليست استدعاءً للماضي بقدر ما هي اختبارٌ للحاضر. هل نريد جيشاً يحرس الدولة أم يحرس السلطة؟ هل نريده مظلةً لكل العراقيين أم سلاحاً في نزاعاتهم؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كان الجيش درع العراق حقاً، أم مجرد اسمٍ ثقيل في أرشيف الذكريات.
في النهاية، لا يُقاس عُمْر الجيوش بالسنين، بل بقدرتها على البقاء وفيةً لفكرتها الأولى. وإذا كان اسم هذا البلد هو العراق، فإن درعه الحقيقي لن يكون إلا جيشاً يشبهه: متعدّداً، صبوراً، مجروحاً… لكنه واقف.

اترك رد