منبر العراق الحر :
لا تُدرَك اللغة العربية إدراكًا عميقًا إذا حُصرت في قوالبها النحوية الصرفية وحدها، بوصفها نظام تصنيفٍ شكليٍّ للكلمات والجمل، بل تنفتح آفاقها الحقيقية حين تُقرأ بوصفها نظامًا دلاليًا يشتغل داخل الوعي، ويصوغ علاقتنا بالوجود والزمن والمعنى. فاللغة ليست أداة نقلٍ محايدة، بل بنية فكرية تشكّل الرؤية، وتكشف مستوى الإدراك، وتحدّد طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم.
ينطلق هذا التصور من إعادة النظر في أقسام الكلام في العربية: الاسم والفعل والحرف، لا بوصفها تصنيفات مدرسية، بل بوصفها وظائف دلالية. فالاسم في جوهره فعل تثبيت؛ إنه يمنح الشيء هوية ويُخرجه من السيولة إلى التعريف، ويشيع إحساسًا بالاستقرار والدوام. لذلك يكثر حضوره في الخطابات التأملية والفلسفية والحِكمية، لأنه يجيب عن سؤال: ما هو؟ وحين نقول: «الصمت لغة الحكماء» فنحن لا نروي حدثًا، بل نثبت حالة وجودية لها معناها وقيمتها.
أما الفعل، فهو على النقيض من ذلك، أداة تحريك للزمن والوعي معًا. إنه لا يكتفي بالإشارة إلى وقوع الحدث، بل يستدعي الحركة والتحوّل والتوتر، ويُدخل المعنى في دينامية الصيرورة. لذلك يتصدر الفعل بنية السرد والخطاب التحريضي والفعل الثوري، لأنه يجيب عن سؤال: ماذا يحدث؟ ففي قولنا: «ينهض الإنسان حين يكتشف وعيه» لا نرصد حالة ساكنة، بل لحظة تحوّل وانبثاق.
ويأتي الحرف بوصفه العنصر الأشد خفاءً والأعمق أثرًا؛ فهو لا يحمل معنى مستقلًا، لكنه يصنع العلاقة بين المعاني، ويضبط اتجاهها وحدودها. إنه يجيب عن سؤال: كيف ترتبط الأشياء؟ وحين نقول: «الحرية في الوعي لا على اللسان» يتبيّن أن حرفًا واحدًا قادر على تغيير البنية الفلسفية للجملة؛ فـ«في» تحيل إلى الاحتواء والعمق، بينما «على» توحي بالسطحية والادّعاء. من هنا ندرك أن الكاتب الواعي لا يختار الألفاظ فحسب، بل يختار أنواعها النحوية بوصفها أدوات توجيه للمعنى.
ومن هذا الفهم تنتقل القراءة إلى الفعل من زاوية أعمق، إذ لا تكمن إشكاليته في صيغته الصرفية، بل في طريقة قراءته. فالتقسيم التقليدي إلى ماضٍ ومضارع وأمر يوهم بحسم الزمن، بينما الواقع أن الزمن الصرفي لا يطابق بالضرورة الزمن الدلالي. الزمن الصرفي شكل نحوي وظيفته التصنيف، أما الزمن الدلالي فهو الزمن الذي يتشكّل في وعي القارئ داخل السياق، وقد يكون نفسيًا أو معرفيًا أو وجوديًا.
حين نقول: «قامت القيامة» يبدو الفعل ماضيًا من حيث الصيغة، لكنه دلاليًا يشير إلى حدث مستقبلي يقيني. وحين نقول: «علِمَ الله ما في القلوب» لا نتحدث عن علمٍ انتهى، بل عن صفة ثابتة خارجة عن الزمن. وفي قولنا: «الإنسان يخطئ» لا نصف لحظة عابرة، بل نقرّر قانونًا إنسانيًا عامًا. أما عبارة «كان الإنسان ضعيفًا» فهي لا تحصر الضعف في الماضي، بل تصفه بوصفه طبيعة ممتدة. هكذا يتضح أن قراءة الفعل بوصفه زمنًا فقط تؤدي إلى تسطيح المعنى، بينما قراءته بوصفه دلالة تفتح النص على أفقه الحقيقي.
ويكتمل هذا المسار حين ننتقل إلى الاسم مرة أخرى، لا بوصفه أداة تثبيت فحسب، بل بوصفه مجالًا للتوتر بين الماهية والدلالة. فالماهية هي ما الشيء في ذاته قبل السياق والاستعمال، وهي تعريف ثابت مجرد، مثل القول بأن الإنسان كائن عاقل، أو أن العدل مبدأ إنصاف. أما الدلالة فهي ما يصنعه الاسم داخل الخطاب والوعي، وهي متحوّلة ومتعددة بتعدد السياقات. فالإنسان في خطاب فلسفي ليس هو الإنسان في خطاب سياسي، والعدل في نص قانوني يختلف عنه في نص أخلاقي، والصمت في الحكمة ليس الصمت في الجبن.
يكون الاسم قريبًا من الماهية حين يُستعمل بوصفه حقيقة كلية أو تعريفًا عامًا، كما في قولنا: «العدل أساس الحكم». لكنه يتحوّل إلى اسم دلالي حين يدخل في تجربة أو صراع معنى، كما في قولنا: «هذا عدل أعمى»، حيث ينزاح الاسم عن حياده ليصبح أداة نقد وتأويل. والخطأ الشائع في القراءة هو التعامل مع كل اسم على أنه ماهية ثابتة، وهو ما يفضي إلى صدامات فكرية وسوء فهم وتطرّف دلالي، كما يظهر في الجدل حول مفاهيم كبرى مثل الحرية والهوية، التي لا تكمن أزمتها في ذاتها، بل في تأويلها.
تكشف هذه القراءة في مجملها أن اللغة ليست نظامًا آليًا من القواعد، بل كيانًا حيًا يعمل داخل الوعي. فالاسم يثبت الوجود لكنه يتحرّك دلاليًا، والفعل لا يقول متى فقط، بل يحدّد كيف يُعاش الزمن، والحرف – على صغره – يصنع هندسة العلاقات بين المعاني. ومن ثمّ يمكن القول إن الماهية تُعرِّف الاسم، والدلالة تُحرّكه، والزمن الصرفي شكل، والزمن الدلالي معنى، ولا يولد الفهم الحقيقي إلا حين نقرأ اللغة بعين الوعي لا بعين القاعدة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر