بابل بين السياسة والشعب : من سيقود المحافظة العريقة نحو التنمية والاستقرار بعد سنوات من الإهمال والتحديات الكبرى؟”

منبر العراق الحر :…د.رافد حميد فرج القاضي

إن السؤال عن من سيكون محافظ بابل اليوم لا يمكن الإجابة عليه باسم واحد نهائي لأنه في الوقت الراهن لا يوجد إعلان رسمي نهائي يحدد من سيتولى هذا المنصب الحيوي في المستقبل القريب ويعكس هذا الواقع السياسي حالة من التنافس الشديد والصراع بين القوى المختلفة داخل مجلس المحافظة وفي الساحة الوطنية العراقية وهي مسألة تتجاوز مجرد تسمية شخص وتشكل انعكاسًا لأعمق التحولات التي تشهدها بابل كمنطقة تاريخية وحيوية في العراق الحديث ففي نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 أصبح منصب محافظة بابل شاغرًا بعد أن ارتقى عدنان فيحان الدليمي من منصب المحافظ إلى منصب نائب أول لرئيس مجلس النواب العراقي ما ترك فرصة جديدة للتنافس على المنصب الذي يحظى بأهمية استراتيجية على مستوى الإدارة المحلية وتأثيره على الخدمات والتنمية الاجتماعية في المحافظة.

مجلس محافظة بابل أعلن عن آلية قانونية لاختيار محافظ جديد وفق الإجراءات الرسمية مؤكدًا أن الشخص الذي سيشغل المنصب في المستقبل يجب أن يكون قادرًا على إدارة المرحلة المقبلة التي تتطلب خبرة في مواجهة التحديات المختلفة التي تلازم بابل سواء من حيث الخدمات الأساسية أو التنمية الاقتصادية أو استعادة المكانة الحضارية التي تتميز بها المحافظة لكن الجلسة الأولى المختصة بانتخاب المحافظ الجديد لم تكتمل بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني المطلوب لعقدها مما أدى إلى تأجيلها إلى موعد لاحق يمكن فيه استيفاء العدد القانوني لأعضاء المجلس.

التنافس على المنصب لا يقتصر فقط على الأسماء أو الكفاءات بل هو في كثير من الأحيان نتاج صراع سياسي بين قوى كبرى في العراق مثل حركة عصائب أهل الحق التي تسعى للحفاظ على حصة هذا المنصب في إطار توزيع النفوذ السياسي حتى إن المصادر أفادت بأن معظم الأسماء التي تم طرحها داخل المجلس تمثل تحالف عصائب أهل الحق في الوقت الذي تتردد فيه معلومات عن رغبة بعض الكتل السياسية الأخرى مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي في أن تكون لهم حصة أو تأثير في القرار المحلي في بابل.

وفي خضم هذا الخلاف السياسي الداخلي برزت ملامح ضغط شعبي غير مسبوق في الشارع حيث خرجت احتجاجات سلمية في محافظة بابل يطالب فيها المواطنون بتعيين شخصية تُعرف بالنزاهة والكفاءة بعيدًا عن ما يعتبرونه المحاصصة الحزبية التقليدية ومن بين الأسماء التي ذُكرت خلال هذه الاحتجاجات اسم امير المعموري الذي يحظى بدعم شريحة من السكان باعتبار أنه يمتلك خبرة برلمانية وتجربة معروفة في الحياة السياسية العراقيّة ما يجعل من هذه اللحظة ليس مجرد عملية انتخابية، بل حدثًا يحمل في طياته رغبة جماعية في تغيير أساليب الحكم المحلي.

هذا التنافس السياسي والاجتماعي يأتي في وقت يعيش سكان بابل تحديات كبيرة في الخدمات الأساسية مثل الطرق، والصرف الصحي والبنية التحتية بشكل عام، وهو ما يكرّس شعورًا عامًّا بين المواطنين بأن هناك تجاهلًا للخدمات الحيوية مقارنة بإمكانيات المحافظة وموقعها التاريخي والاستراتيجي وبعض الأهالي يرون أن السبب الرئيسي في تخلف الخدمات هو الفساد وسوء الإدارة المتراكمة منذ سنوات، ما يجعل اختيار المحافظ القادم ذا أهمية أكبر من مجرد إدارة شؤون يومية — فهو اختبار حقيقي لمدى استجابة المؤسسات السياسية لتطلعات الناس في تحسين حياتهم.

هذه اللحظة الدقيقة التي يعيشها المشهد في بابل ليست مجرد صراع سياسي محض بل هي لحظة فاصلة تعكس اقتصادًا وسياسة ومجتمعًا يبحث عن قيادة جديدة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة بفعالية ونزاهة ومن هنا يشهد هذا المنصب حساسيات كبيرة، فهو قبل كل شيء يحتاج إلى شخص لا يحمل فقط اسمًا على ورق بل إلى قيادة تحمل رؤية واضحة لإعادة ترتيب أولويات المحافظة بما يضمن تطوير الخدمات وتحسين جودة الحياة وتعزيز التنمية الشاملة والحفاظ على الإرث الحضاري الطويل الذي تميزت به بابل عبر آلاف السنين.

في النهاية من سيكون محافظ بابل في المستقبل؟
لا يمكن حسم الإجابة الآن باسم شخص محدد لكن ما هو واضح أنه سيتم اختيار شخصية ستكون في وضع مسؤولية تاريخية تتطلب منها أن تكون قادرة على أن تكون مرآة لطموحات الناس وصوتًا لمتطلبات المستقبل وهذا المنصب ليس مجرد كرسي إداري بل اختبار للقيم السياسية والإدارية في العراق نفسه اختبار لقدرة القادة على تجاوز المحاصصة الحزبية والاستجابة الحقيقية لإرادة المجتمع وأحلامه في بابل التي تمثل ليس وحدة إدارية فحسب بل قلب حضارة عظيمة أرست أقدام الإنسانية على أولى سلالم التاريخ.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد