لِقاءٌ في شِتاءِ القَلب….د.رافد حميد القاضي

منبر العراق الحر :

أينَ كُنتِ
حينَ طالَ الغِيابُ
حتّى صارَ اسمي
يَنطِقُ وحدَهُ في المرايا؟
أينَ مَضيتِ
والوقتُ يَتَهَشَّمُ في يَدي
كَزُجاجٍ بارِدٍ
لا يَجرَح لكنَّهُ يُدفِئ؟…

عُدتِ فانكَسَرَ الصَّمتُ
دَفعةً واحِدَة
كَأنَّ اللهَ أرسَلَني إِلَيكِ
وأرسَلَكِ لَيَّ
في اللَّحظةِ ذاتِها
كي لا يَضيعَ الرَّجاء…

في غِيابِكِ
جَفَّ صَبرُ السِّنين
وصارَ الانتِظارُ شَجرةً
نَسِيَت كيفَ تُورِق
وأنا…كنتُ فَراغًا
يَمشي بينَ النّاس
وروحي مُعَلَّقَةٌ
على حافَةِ الرَّجفة…

الضِّيقُ ليسَ حُزنًا فحسب
هو أن يَضيقَ الصَّدرُ
حتّى من هَمسِ
الأشياءِ الصَّغيرة
حتّى من حَركةِ القلب
في قَفَصِه…

أيُّ عُذرٍ هذا الذي طالَ
حتّى صَدَّقناه؟
وأيُّ قلبٍ يَحتَمِلُ
هذا البُعد ولا يَتيه؟
قلبي في غِيابِكِ
عُصفورٌ نَسِيَ الجِهات
يَطيرُ بلا غُصن
ويَهبِطُ بلا ظِلّ
ويَعودُ إلى التَّعَب
كلَّ مساء…

لكنَّكِ جِئتِ
في لَيلةٍ مُثقَلَةٍ بالبَرد
والسَّماءُ تَمطُرُ
كَأنَّها تَبكي قَبلي
جِئتِ فصارَ الشِّتاءُ
أقلَّ قَسوة
وصارَ الطَّريقُ
يَعرِفُ اسمي من جديد…

تَقَدَّمي
دَعِي وَجهَكِ
يُضيءُ المَسافَة
فقد مَضَت أعوامٌ
لم أرفَعْ فيها بَصري
نحوَ قَمَرٍ يُشبهُ الطُّمأنينة…

اقتَرِبي فالكونُ بارِد
والقُربُ وحدَهُ
يُعيدُ للأشياءِ حَرارَتَها
وما بينَ الكَفَّين
يَشتَعِلُ العُمرُ
دونَ أن يَحتَرِق…

أشتهي الحزن ليس ضَعفًا
بل غَسلًا للقلب
وروحُكِ تَعرِفُ هذا التَّعَب
كما تَعرِفُ روحي
شِفاهي عَطشى إِلَيكِ
لا لِقُبَلٍ عابِرَة
بل لِطُمأنينةٍ
تُروى قَطرةً قَطرة
خُذي حُزني قَبِّليهِ
ودَعيهِ يَخرُجُ باكيًا
فلا شيء أثقَل
من حُزنٍ
بَقي في الصَّدر…

حينَ تَلمِسيني
لا يَصيرُ العالَمُ
أجمَلَ فحسب
بل يَصيرُ مَفهومًا
حتّى المُرُّ
يَستَعيدُ طَعمَهُ الأوَّل
وحتّى القَسوَة
تَتَعلَّمُ اللِّين…

دُموعُكِ لا تُضعِفُكِ
إنَّها تُرَتِّبُ الفَوضى في داخِلي
وتُخفِضُ ضَجيجَ الخَوف
وتَجعَلُ النَّوم
صَديقًا للبَصَر
صَوتُكِ يُبَلِّلُ يُبسَ الرّوح
ويُعيدُ للذّاكِرَةِ خُضرتَها
كَأنَّني أبدأُ الحَياة
من جُملةٍ قُلتِها دونَ قَصد…

في حُضورِكِ
تَنفَكُّ العُقَدُ من لِساني
وتَخرُجُ الأسرار
بِلا خَوف
كَأنَّ القلبَ
كانَ يَنتَظِرُكِ
وحدَكِ ليَتكلَّم…

عِطرُكِ
لا يَدُلُّ عليكِ فحسب
بل يَدُلُّني على نَفسي
وأنفاسُكِ تُغلِقُ أبوابَ القَلَق
واحِدَةً واحِدَة…

عُدتِ فصارَ اللِّقاءُ
نِعمةً لا تُفَسَّر
وصارَ الفَرَحُ
أمرًا بسيطًا
كَأن يكونَ المَرءُ
في المَكانِ الذي يَجب…

جِئتِ فقلتُ دونَ صَوت
هذا هو المَعنى
وهذا هو السَّبب
الذي مِن أجلِه
احتَمَلَ القلبُ
كلَّ ذلكَ الغِياب…

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد