الأوّل لن يصبح الثاني…..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليس لأن التحوّل مستحيل بل لأن بعض التحوّلات خيانة ناعمة للجوهر وهناك مسافة خفيّة لا تُقاس بالزمن ولا تُختصر بالخبرة تفصل بين “الأوّل” و“الثاني” مسافة لا تصنعها الظروف وحدها بل يصنعها القرار العميق : قرار أن تبقى أنت لا أن تنجح كما يُراد لك ولا أن تتكيّف مع الصورة التي تحوّلت إلى معيار عام.

الأوّل ليس ترتيبًا في سباق ولا رتبة تُمنح ولا لحظة بداية والأوّل هو ذاك الذي خرج من ذاته كما هي لا كما يجب أن تكون ولم يستعر صوته من الجموع ولم يتعلّم لغته من ضجيج السوق ولم يضبط إيقاعه على ساعة الرائج والمقبول الأوّل ليس سابقًا بالضرورة بل مستقلّ والثاني ليس لاحقًا زمنيًا، بل تابعًا معنويًا.

في هذا العالم يُكافأ من يُجيد التحوّل إلى نسخة مألوفة ويُهمَّش من يُصرّ على أن يكون سؤالًا مفتوحًا ويُصفّق للثاني لأنه مفهوم وتُثار الريبة من الأوّل لأنه لا يُصنَّف فالثاني يمكن شرحه وترويضه والتنبؤ به أمّا الأوّل، فهو قلقٌ دائم، وكسرٌ متواصل لراحة المعنى ومرآة تُربك من ينظر فيها طويلًا.

الأوّل لا يسير في طريق مرسوم بل يترك أثرًا وأثرًا لا يصلح أن يتحوّل إلى طريق عام لأنه يحمل حرارة صاحبه وتردده وخساراته وانكساراته الخاصة ولهذا لا يُحتذى به بسهولة ولهذا يُساء فهمه ولهذا أيضًا يُطلب منه دائمًا أن يصبح ثانيًا: أن يخفّف حدّته أن يُعدّل نبرته أن يقترب من الوسط حيث الأمان المعلّب لكن البعيد هو بيته.

الأوّل يعرف، في لحظات الوعي القاسي، أن التحوّل إلى الثاني ليس تطوّرًا بل تنازلًا وأن الانتماء الأعمى ليس أمانًا بل فقدانًا بطيئًا للاسم. لذلك يدفع ثمنًا مختلفًا : وحدة لا تُحتمل أحيانًا شكًّا لا يهدأ وصراعًا داخليًا لا يُكافَأ بالتصفيق ومع ذلك يواصل، لا لأن الطريق أجمل، بل لأن العودة مستحيلة
والثاني يعيش مطمئنًا داخل الإجابة والأوّل يعيش قلقًا داخل السؤال.

الثاني يملك جمهورًا. الأوّل يملك أثرًا
والثاني يربح سريعًا والأوّل يتأخر لكنه حين يصل، لا يُستبدل وليست المسألة أخلاقية ولا رومانسية ولا دعوة لتمجيد الألم وإنها مسألة وجود خالص : هل تريد أن تكون مفهومًا أم حقيقيًا؟
هل تختار السلام السريع أم المعنى الثقيل؟ هل تطلب التصفيق الآن أم الثبات حين يهدأ كل شيء؟
الأوّل لا يحتقر الثاني، لكنه يرفض أن يكونه ويراه يفهم منطقه وقد يمرّ بقربه لكنه لا يسكنه لأن السكن في حياة ليست حياتك هو أطول أشكال الغربة ولأن التحوّل إلى ما يُكافَأ عليه الجميع هو أسهل طرق فقدان الذات دون ضجيج.

ومع مرور الوقت، يكتشف الأوّل أن محاولات دفعه ليصبح الثاني لم تكن دائمًا نصحًا بريئًا، بل خوفًا جماعيًا من المختلف فالاختلاف يُربك الأنظمة ويُقلق العقول المعتادة على التكرار، ويكشف هشاشة القواعد التي تدّعي الثبات وجود الأوّل بحد ذاته، مساءلة صامتة لكل ما هو مستنسخ ولهذا يُطالَب بالتكيّف لا ليتحسّن، بل ليكفّ عن الإزعاج.

لكن كلما اشتدّ الضغط ازداد الأوّل وضوحًا يفهم أخيرًا أن التحوّل إلى الثاني ليس عبورًا إلى الأمان بل انسحابًا من المعنى وأن الحياة التي تُعاش على هامش الذات مهما بدت مرتّبة تظل ناقصة وأن الربح الذي يُفرغ الروح من صوتها ليس انتصارًا بل تأجيلًا للخسارة.

هنا تكتمل الدائرة وتنكشف الحقيقة الأخيرة : الأوّل لن يصبح الثاني لا عنادًا بل نجاة ولا رفضًا للتقدّم، بل حماية للجوهر فالثاني يعيش داخل الممكن بينما الأوّل يعيش داخل الضرورة والثاني يفاوض على ملامحه أمّا الأوّل فيعرف أن بعض الملامح إذا عُدّلت سقط الوجه كلّه والثاني يتكيّف ليبقى والأوّل يبقى كي لا يتلاشى.

وفي عالمٍ يتقدّم فيه التشابه بوصفه قيمة ويُسوَّق فيه الامتثال على أنه ذكاء يصبح البقاء خارج النسق شجاعة هادئة وشجاعة لا تصرخ ولا تستعرض، بل تقول بثبات: أنا هنا كما أنا وسأدفع ثمن ذلك كاملًا دون مساومة.

وهكذا لا تنتهي الحكاية بنصرٍ صاخب ولا بهزيمة معلنة بل باستقرار داخلي عسير واستقرار من أدرك أنه اختار الطريق الأثقل لكنه الطريق الوحيد الذي لا ينقسم فيه على نفسه ومن فهم أن أن يكون الأوّل ليس لقبًا يُحتفى به بل مسؤولية تُحمل وأن يرفض أن يصبح الثاني ليس رفضًا للآخرين بل وفاءً للذات.

وفي النهاية حين يخفت الضجيج وتتساقط الأقنعة ويتعب الجميع من التكرار يبقى شيء واحد لا يشيخ ولا يُستبدل: الأثر والأثر لا يصنعه من سار في الطريق بل من شقّه وعندها فقط نفهم أن الأوّل لم يكن يومًا مشروع ثاني، بل كان ضرورة مختلفة ووجودًا لا يُعاد وصوتًا لو صمت لانطفأ المعنى من حوله.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد