رئاسة وزراء العراق بين النص الدستوري وصراع المحاور … بقلم د. حسام البدري

منبر العراق الحر :

تمهيد

يأتي ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء في لحظة عراقية وإقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع أزمات الداخل مع اشتباكات الخارج، ويتحوّل الاستحقاق الدستوري من إجراء قانوني إلى مرآة لصراع الإرادات. فالترشيح الذي أعلنه الإطار التنسيقي “بالأغلبية” لا بالإجماع لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كجزء من معادلة أوسع تشمل توازنات الداخل للاطار التنسيقي ، حسابات الشركاء في المجلس السياسي الوطني والكرد، واشتداد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يُعاد تعريف دور العراق بوصفه ساحة تماس لا مجرد دولة وسيطة.

البعد الجيوسياسي

من منظور جيوسياسي، لا يمثل السيد المالكي مجرد شخصية سياسية داخلية، بل رمزًا لمرحلة كاملة من التموضع الإقليمي. مباركة القيادة الإيرانية لترشيحه تحمل دلالة واضحة: طهران ترى فيه خيارًا مأمونًا في لحظة إقليمية متوترة، وتفضّل شخصية مجرَّبة تضمن عدم انحراف بغداد عن معادلات النفوذ القائمة، خصوصًا مع تصاعد الصراع الأميركي–الإيراني واتساع رقعته غير المباشرة في المنطقة.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الترشيح بقلق محسوب. واشنطن لا ترفع فيتو علنيًا، لكنها ترى في عودة المالكي مؤشرًا على تضييق هامش التوازن العراقي، وتعزيز موقع إيران داخل مؤسسات القرار. ومع ذلك، فإن الخيار الأميركي لا يتجه نحو المواجهة أو إسقاط العملية السياسية، بل نحو البرغماتية الواقعية في إدارة المخاطر: الضغط الدبلوماسي، ربط التعاون الاقتصادي والأمني بسلوك الحكومة المقبلة، وتشجيع حلول توافقية تحدّ من اندفاع العراق نحو محور واحد.

المهم هنا أن العراق، في حال اندلاع مواجهة أوسع بين واشنطن وطهران، سيكون ساحة احتواء لا ساحة قرار. وأي حكومة تُشكَّل في هذا التوقيت ستكون مطالَبة بإدارة التناقض لا حسمه. السيد المالكي، بحكم تاريخه وموقعه، يُنظر إليه إقليميًا بوصفه أقل قدرة على المناورة وأكثر قابلية للاصطفاف، وهو ما يرفع كلفة قبوله دوليًا، لكنه لا يلغي احتمالية التعامل معه كأمر واقع إذا فُرض دستوريًا.

البعد الدستوري والقانوني

دستوريًا، لا يمنح النظام السياسي العراقي طريقًا مباشرًا لرئاسة الوزراء، بل يضع سلسلة من المفاصل القابلة للتعطيل. أول هذه المفاصل هو انتخاب رئيس الجمهورية، وهو استحقاق لا يمكن فصله عن معركة رئاسة الحكومة، لأن تعطيل النصاب هنا يُستخدم كورقة تفاوض سياسية لا كخلاف إجرائي.

بعد ذلك، تبرز مسألة “الكتلة الأكبر”، وهي المفهوم الأكثر مرونة وتأويلًا في الدستور العراقي. فالكتلة الأكبر لا تُحدَّد بالنتائج الانتخابية فقط، بل بالتحالفات التي تتشكل داخل البرلمان. ترشيح المالكي يفترض أن الإطار التنسيقي قادر على تثبيت نفسه كتلةً أكبر عند لحظة التكليف، لكن هذا الافتراض يبقى هشًا في ظل الانقسام الداخلي وغياب الإجماع.

الأغلبية التي رشّحت السيد المالكي تمنحه قوة داخل الإطار، لكنها لا تحصّنه دستوريًا. أي انشقاق، امتناع، أو تعطيل من داخل الإطار نفسه، أو من شركائه المحتملين، قد يُفرغ هذا الترشيح من مضمونه. هنا يتحول الدستور من نص ضابط إلى ساحة اختبار للقوة السياسية.

أما من زاوية القبول الوطني، فالدستور لا ينص عليه صراحة، لكنه شرط واقعي للاستقرار. حكومة تُشكَّل دون حدٍّ أدنى من التوافق العابر للمكونات ستكون دستورية شكليًا، لكنها سياسيةً قابلة للاهتزاز. السيد المالكي، بسبب إرثه السياسي، سيواجه تحديًا مضاعفًا في هذا الجانب، إذ يحتاج إلى تقديم ضمانات كبيرة للشركاء مقابل القبول، ما قد يُضعف حكومته منذ اليوم الأول.

خاتمة
بين التمرير والتسوية
انطلاقًا من المعطيات الداخلية والإقليمية والدولية، يمكن رسم أربعة سيناريوهات دستورية–سياسية:

التمرير المشروط:

يقوم هذا السيناريو على استكمال المسار الدستوري المنصوص عليه في المادتين (70) و(76) من الدستور، عبر انتخاب رئيس الجمهورية ثم تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا ونيل حكومته الثقة بالأغلبية المطلقة. دستوريًا، لا يشترط هذا المسار توافقًا سياسيًا شاملًا، ما يسمح بتمرير حكومة قائمة على صفقة توزيع نفوذ ورئاسات أكثر من كونها حكومة برنامج. غير أن اكتمال الشرعية الإجرائية لا يمنع هشاشتها السياسية، إذ تبقى الحكومة رهينة توازنات قابلة للانقلاب عند أول اختبار برلماني أو أمني

التعطيل الدستوري المُدار:

يستند هذا السيناريو إلى توظيف اشتراطات النصاب الدستوري في انتخاب رئيس الجمهورية وفق المادة (70)، في ظل غياب نص يُلزم البرلمان بسقف زمني حاسم لإنجاز الاستحقاق. هذا الاستخدام لا يشكّل خرقًا صريحًا للدستور، لكنه يحوّل النص إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لإجبار الإطار التنسيقي على إعادة التفاوض، ما يؤدي عمليًا إلى إسقاط الترشيح دون مواجهة مباشرة أو طعن دستوري.

3. الاستبدال الوقائي:

يستند هذا المسار إلى مرونة المادة (76) من الدستور، التي لا تُقيّد الكتل السياسية باسم محدد قبل صدور مرسوم التكليف الرسمي. وبذلك، يظل سحب اسم السيد المالكي أو استبداله بمرشح آخر من داخل الإطار إجراءً مشروعًا دستوريًا، يُستخدم سياسيًا لتقليل الكلفة الخارجية، ولا سيما الأميركية، وامتصاص الاعتراضات الداخلية، مع الحفاظ على ادعاء امتلاك “الكتلة الأكبر”

 

4. التمرير ثم الاحتواء الخارجي:

يتحقق هذا السيناريو عند استكمال جميع المتطلبات الدستورية لتشكيل الحكومة وفق المادة (76)، مع بقاء الحكومة خاضعة لاحقًا لالتزامات العراق الدولية وصلاحيات مجلس الوزراء المنصوص عليها في المادة (80). فالدستور لا يمنح الحكومة حصانة من القيود السياسية أو الاقتصادية الخارجية، ما يسمح بظهور حالة شرعية دستورية مكتملة تقابلها قدرة محدودة على الحركة الإقليمية، نتيجة ضغوط أميركية تُفرض عبر أدوات التعاون والالتزام الدولي لا عبر تعطيل المسار الدستوري

 

5. الفراغ الدستوري المؤقّت:

وفي حال فشل جميع هذه المسارات، يظهر سيناريو الفراغ الدستوري المؤقّت، الناتج عن غياب نص يُلزم بحل البرلمان أو إعادة الانتخابات تلقائيًا عند تعذر تشكيل الحكومة، ما يؤدي إلى استمرار حكومة تصريف الأعمال بالاستناد إلى اجتهادات المحكمة الاتحادية التي قيدت صلاحياتها دون إنهاء وجودها، مكرّسة حالة شرعية قانونية مع ضعف تنفيذي.

 

6. إعادة تعريف المسار عبر تسوية خارجية–داخلي:

وأخيرًا، يسمح الدستور العراقي بسيناريو إعادة تعريف المسار عبر تسوية خارجية–داخلية، إذ لا يمنع التفاهمات السياسية السابقة على الإجراءات الرسمية، ما دامت نتائجها تمر عبر القنوات الدستورية المنصوص عليها في المادة (76)، حيث ينظم الدستور الشكل والإجراء، لا مضمون التسوية ولا طبيعتها السياسية.

7. السيناريو الدستوري المُركَّب (التمرير المشروط بين التعطيل والتسوية والاحتواء):

يندرج هذا السيناريو ضمن الإطار الدستوري المنصوص عليه في المادتين (70) و(76) من الدستور، حيث يبقى تمرير الحكومة ممكنًا إجرائيًا عبر انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا ونيل الثقة بالأغلبية المطلقة، دون اشتراط توافق سياسي شامل. غير أن هذا المسار يظل مفتوحًا على بدائل دستورية مشروعة، تبدأ بتعطيل النصاب في مرحلة انتخاب الرئيس لإعادة التفاوض دون خرق صريح للنص، وتمرّ بإمكانية الاستبدال الوقائي للمرشح قبل لحظة التكليف استنادًا إلى مرونة المادة (76)، وتنتهي، في حال اكتمال التمرير، بحكومة شرعية دستوريًا لكنها خاضعة لقيود سياسية واقتصادية خارجية وفق التزامات العراق الدولية وصلاحيات المادة (80). وعليه، فإن مصير الترشيح لا يتحدد بنص دستوري واحد، بل بتفاعل النص مع ميزان القوى الداخلي والضغط الإقليمي والدولي، ما يجعل التمرير ممكنًا قانونًا، ومعلّقًا سياسيًا، ومقيّدًا فعليًا.

 

 

اترك رد