منبر العراق الحر :
مفهوم الملكية الخاصة بمعناها الحالي يعود إلى الزمن الذي كانوا فيه أسلافنا أكثر بدائية، فيُقال إن بداية الملكية الخاصة لدى الإنسان كانت مع بداية الزراعة، فهذا البستان ملك فلان، ويرثه أبناؤه ويجني ثماره، ويجنون ثماره من بعد أبيهم. ومن هذه اللحظة كذلك ظهرت الحاجة إلى العمل المأجور، وحتى العمل بالسخرة (الرق).
وكلما حاولت أن تطرح مفهوم الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج ترى المعترضين يتقافزون هنا وهناك، قائلين لك: فكّر بواقعية، فإن الناس متباينون؛ فمنهم من يؤلف كتابًا، ومنهم من يخترع اختراعًا، ومنهم من يكتشف اكتشافًا. هل يمكن لنا أن نساوي بين جميع هؤلاء؟
وهنا تظهر الزاوية الخاطئة في النظر لمفهوم الملكية الخاصة في الاشتراكية. ففي الاشتراكية نحن لا نسعى إلى إلغاء الملكية الخاصة، بل نسعى لاشتراكية وسائل الإنتاج وتملكها بما يفيد مصالح الأمة عامة، لا فردًا تتكدس بيده الثروة. فمن الغباء أن يقول أي فرد إننا يجب أن نلغي إمكانية الإنسان من أن يملك ملبسًا ومسكنًا، أو أي وسيلة من الوسائل التي تتطلبها الحياة، لأن هذه الوسائل لا تستغل أي شخص أثناء استعمالها.
فاليوم، مثلًا، لا يمكن لمخترع الاختراع أن يحتكر اختراعه إلى الأبد ويورث هذا الاختراع لسلالته، أو من يكتب كتابًا علميًا، فما إن يخرج وجب أن يكون ملكًا للعالم أجمع بما فيه من قيمة علمية. فلو فكرنا بهذه الطريقة التي يعترض بها غير الاشتراكيين عليها، لوجب علينا أن نوجه نفس النقد للنظام الحالي، فلو تفرد كل مخترع بما اخترع لما كان العالم الآن مجرد كرة محكومة من عوائل معدودة، إن وصل إلى صورته الحالية أصلًا.
وعلينا أثناء قراءتنا لمفهوم الملكية معرفة أن الاشتراكية تفرق بين الملكية الفردية الشخصية كما بيناها قبل قليل، وبين الملكية لوسائل الإنتاج كالمصانع والأراضي الزراعية الكبرى، وسائل تراكم ربح من عمل الأفراد.
فما هو السبب الذي يجعلنا، كاشتراكيين، نعترض على هذا النوع من الملكية؟ النظام الرأسمالي التنافسي الفردي يجعل الفرد يسعى للمال، المال وحده، وهذا النظام يخلق بيئة لا يمكن للعامل العيش فيها دون أن يبيع عمله لصاحب وسيلة الإنتاج الذي يعمل عنده. فبذلك تتراكم الثروة لدى الفرد الذي يمتلك وسيلة الإنتاج، بينما يكدح الآخر ليعيش. بذلك تتكون لدينا طبقة قليلة تمتلك الكثير من المال، وطبقة كبيرة تمتلك القليل من المال.
هنا ما يبين أن الملكية الفردية لوسائل الإنتاج تؤدي إلى الاستغلال، وهكذا يستمر النظام في الاستغلال من خلال جعل المال الغاية الوحيدة التي تبرر كل وسائل الحصول عليها، ويضع المبرر ليتم استبداد الناس من قبل قلة قليلة يملكون وسائل الإنتاج.
فسبب رفض الاشتراكي لتملك وسائل الإنتاج العامة هو أنها تتيح استغلال الآخرين، على خلاف لو كانت مملوكة بشكل عام واشتراكي للنظام أو الدولة، فهي بذلك لا تكنس الثروة لدى فرد، بل تُصرف للمصلحة العامة ولتحسين حياة الآخرين. فيكون من النتائج قلة ساعات العمل وتحسين الأوضاع، لأنها غير مملوكة من فرد فقط.
فإنما يمكن أن نعطيه كملاحظة للذين يعترضون على الاشتراكية كونها تسعى لإلغاء الملكية، وهي أن الاشتراكية لا تريد أن تجعل ملكيتك أداة للسيطرة على الآخرين.
بعد الانتهاء من مفهوم الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج، وبيان الفرق بين إلغائها وبين إلغاء الملكية الشخصية، ترد على سوء الفهم الحاصل. وجب علينا شرح الموضوع بطريقة حديثة نادرًا ما أجد أشخاصًا يتناولون الأمر بهذه الطريقة.
فنحن في كل تحليلاتنا لواقع الطبقة العاملة في العالم اليوم، خاصة في العالم العربي، نأخذ مفاهيمنا وطريقة تحليلنا من القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كان العامل هو عامل المصنع فقط، بينما نحن نرى اليوم أمرًا أكبر بكثير.
فبسبب التقدم، وبسبب وحشية النظام الرأسمالي مرة أخرى، نرى أن الطبقة العاملة تغيرت وأصبحت أكثر تعقيدًا. فنحن نرى العمل الحر على الإنترنت، وبنفس الوقت نرى المبرمجين وغيرها من طرق العمل التي ظهرت بقوة في العقود الأخيرة. لدينا المبرمجون، ومصممو الغرافيك، وعمال المنصات الأحرار، وصانعو المحتوى، وغيرها من الوظائف.
التغيير الذي نراه هنا هو تغيير شكلي، وليس تغييرًا بنيويًا في بنية الطبقة العاملة، فهم لا يملكون وسائل الإنتاج الرقمي، وهم يبيعون عملهم أيضًا، ويمكن استبدالهم بسهولة. فهم لا يمتلكون المنصات أو الخوارزميات، ولا حتى المنتج النهائي.
وحتى بالنسبة للعمل الحر، رغم أنه من يحدد وقته ومن يختار الزبائن، لكنه لا يمتلك السوق ولا يضع الشروط، بينما تفعل المنصات ذلك، مع ضغط الأجور بسبب المنافسة العالمية.
وحتى بعض المهن التي عندما نرى الاشتراكيين يحللون واقع الطبقة العاملة يتغاضون عنها، كالحلاقين على سبيل المثال، أو أصحاب المحلات الصغيرة، أو سائقي سيارات الهجرة، فلا يمكن اعتبارهم أصحاب وسائل لكسب المال وتكديس الثروة، ولا يمكن اعتبارهم أعداء طبقيين، فهم يبيعون عملهم.
هذا إن دل على شيء، فهو يدل على قصر النظر عند بعض الاشتراكيين بمحاولته نقدها دون فهمها، كما يقع جزء كبير منه علينا نحن الاشتراكيين أنفسنا بعدم توضيح ما نريد.
النقد الاشتراكي يجب أن يبقى واضحًا، ونرفض استبدال صاحب وسيلة الإنتاج بالدولة التي تظلم الشعب بنفس الطريقة. فالاشتراكية لا تعادل ملكية، لكنها تعادل الملكية الاستغلالية التي تعيش على عمل غيرها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر