مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ 76 برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة…عصام الياسري

منبر العراق الحر :

تشهد العاصمة الألمانية “برلين” من 12 ولغاية 22 فبراير 2026 انطلاق الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale)، أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم وأكثرها انخراطا في قضايا الإنسان والواقع المعاصر. وعلى مدار عشرة أيام، تبدو برلين وكأنها تستعيد دورها التاريخي ليس فقط كعاصمة للسينما، بل كمساحة مفتوحة للصراع الرمزي بين الصورة والواقع. ففي عالم يتجه ـ اليوم ـ نحو تحولات الاستقطاب، والانغلاق، وتطبيع العنف، يعود مهرجان “برليناله” ليؤكد أنه ليس مهرجانا للحياد، بل منصة واعية، ورؤى فنية، وأسئلة كبرى تنحاز بوضوح إلى الإنسان حتى حين يكون هذا الانحياز مكلفا.. لتكون برلين محطة فنية وثقافية بارزة تجمع صناع السينما والنقاد وعشاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم.

منذ نشأته في قلب الحرب الباردة، حمل المهرجان طابعا سياسيا لا لبس فيه، ومع مرور العقود لم يتخلَّ عن هذا الإرث، بل أعاد صياغته بلغة سينمائية أكثر تعقيدا وعمقا. دورة 2026 تأتي لتؤكد أن السياسة في برليناله ليست شعارا، بل بنية تفكير. وان مهرجان برليناله لازال يُعد واحدا من أهم الأحداث السينمائية العالمية، لا من حيث عدد العروض فقط، بل أيضا لما يقدمه من منصة للنقاش والتأمل حول قضايا الإنسان المعاصر. في دورة 2026، اختارت إدارة المهرجان برنامجا يعكس هموما إنسانية وسياسية واجتماعية، ما يجعل السينما ليست مجرد فن للتسلية، بل أداة لفهم التحولات الكبرى في عالم اليوم. بمعنى آخر، مساحة تجمع بين البعد الفني والبعد السياسي والاجتماعي.

أجل، دورة هذا العام تنعقد في ظل عالم مضطرب: حروب طويلة بلا أفق، صعود خطابات اليمين المتطرف، أزمة لاجئين متجددة، وتآكل مفاهيم العدالة والحرية. هذه السياقات لا تظهر في أفلام برليناله بوصفها خلفية، بل كموضوع مركزي يتسلل إلى السرد، والشخصيات، وحتى إلى اختيارات الشكل والأسلوب. السينما هنا لا ترفع لافتات مباشرة، لكنها تشتغل على ما هو أعمق: تفكيك بنية العنف، مساءلة السلطة، واستعادة صوت الفرد في مواجهة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا تحديدا، يظل برليناله مهرجانا “غير مريح”، لكنه ضروري. بل منصة للحوار الثقافي والفكري، حيث تتحول السينما إلى لغة عالمية مشتركة قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الواقع، وبناء جسور بين الشعوب.

يعرض المهرجان هذا العام أكثر من 276 فيلما من أكثر من 35 دولة، فيما تضم المسابقة الرسمية 22 فيلما تمثل نحو 28 دولة. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المشاركة، بل تكشف عن خيار واضح: فتح المنصة لأصوات متعددة، كثير منها يأتي من مناطق نزاع أو هامش ثقافي وسياسي. الإنتاجات المشتركة العابرة للحدود تشكل نسبة لافتة، وكأن السينما نفسها تبحث عن بديل لفكرة الحدود الصلبة التي يعاد تكريسها سياسيا في العالم. لكن الأهم من الأرقام هو طبيعة هذه المشاركات. الدورة الحالية تشهد حضورا قويا للسينما الأوروبية، خصوصا من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا وبولندا وإيرلندا، لكن هذا الحضور لم يعد مهيمنا. إلى جانبه، تتقدّم السينما الآسيوية من اليابان وكوريا الجنوبية ونيبال، وسينما الأمريكيتين، إضافة إلى حضور أفريقي وعربي (تونس، المغرب والسنغال) ضمن إنتاجات مشتركة، خصوصا عبر أقسام Panorama وForum، تحضر بوصفها شريكا في صياغة خطاب سينمائي عالمي جديد، لا تابعا ولا هامشيا. ابتعدت عن الخطاب التقريري، والأهم: اشتغلت على التفاصيل اليومية، وعلى العلاقة المعقدة بين الفرد والدولة، وبين الجسد والتاريخ. إنها سينما أقل صخبا، لكنها أكثر عمقا وأكثر ثقة بلغتها الخاصة.

اللافت أثناء مشاهدتنا العديد من الأفلام في عروض خاصة للصحفيين المعتمدين akkreditierte Journalistenفي مواعيد محددة قبل إنطلاق المهرجان، أن إدارة المهرجان لم تبحث عن “أفلام شعارات” بل عن أعمال تنطلق من الخاص لتلامس العام، ومن التجربة الفردية لتكشف البنية العميقة للواقع. هنا، السينما ليست خطابا مباشرا، بل مساحة تفكير..أفلام المسابقة الرسمية هذا العام تبدو وكأنها مختبر للأسئلة الكبرى: ما معنى العائلة في عالم متحوّل؟ كيف تُستعاد الذاكرة الفردية في مواجهة تاريخ جماعي عنيف؟. أين يقف الفرد أمام سلطة المجتمع أو الدولة أو التكنولوجيا؟. اللافت أيضًا هو حضور الأنيميشن ضمن المسابقة، في إشارة إلى كسر الحواجز التقليدية بين “السينما الجادة” والأنواع الفنية الأخرى، والاعتراف بأن اللغة البصرية قادرة على التعبير عن أعمق القضايا، مهما كان شكلها.

الأقسام الموازية للمهرجان ـ حيث تولد السينما القادمة، لا تبحث عن الإجماع، بل عن الصدمة الفكرية، وعن زعزعة المسلّمات الجمالية والسياسية السائدة. فإذا كانت أفلام المسابقة الرسمية تمثل واجهة المهرجان، فالأقسام الموازية هي روحه الحقيقي. ففي Panorama“ و “Forum مثلا، تتجلى الروح السياسية للمهرجان بأوضح صورها. هنا نجد أفلاما تتناول قضايا اللجوء والهجرة، الجسد والهوية، العنف البنيوي، تركة الاستعمار والذاكرة الجمعية. فيما يذهب القسم الآخر أبعد، لعب دوره كمساحة للأصوات المهمّشة والسينما السياسية الجريئة. نحو تفكيك اللغة السينمائية نفسها، وتقديم أعمال قد تكون صعبة، لكنها ضرورية. „Generation“ يؤكد أن مخاطبة الأجيال الجديدة لا تعني التبسيط، بل الذكاء الفني. بينما„Berlinale Shorts“ يظل مؤشّرا حقيقيا على مستقبل السينما، حيث تظهر غالبا التجارب الأكثر طزاجة وجرأة في عالم مضطرب ـ يجعل ـ مهرجان سينمائي عريق مثل “برليناله” أن يوازن بين الجماليات الفنية والرهان الأخلاقي والسياسي؟.

تتولى هذا العام لجنة تحكيم دولية مكوّنة من سبعة أسماء بارزة مهمة تقييم أفلام المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني الكبير “ويم ويندرس” WIM WENDERS، أحد أهم الأصوات السينمائية في أوروبا. وتضم اللجنة: باي دونا (كوريا الجنوبية) ـ ممثلة، مين بهادور بهام (نيبال) ـ مخرج، هكاري (اليابان) ـ مخرجة وكاتبة، رينالدو ماركوس غرين (الولايات المتحدة) ـ مخرج، شيفندرا سينغ دنغاربور (الهند) ـ مخرج ومنتج، إيفا بوششينسكا (بولندا) ـ منتجة.

مهرجان ’’برليناله،، لا يكافئ “أفضل فيلم تقنيا” بقدر ما يكافئ الفيلم الذي: يطرح سؤالا إنسانيا ـ سياسيا راهنا، يمتلك لغة سينمائية واضحة وغير تصالحية، ينحاز إلى الهامش، أو يعيد تعريف المركز ولا يخشى أن يكون “غير مريح”. لذلك غالبا، الدب الذهبي يذهب لفيلم ’’موقف،، والإخراج يذهب لفيلم ’’شكل،، فيما التمثيل يذهب لـ ’’الأداء،، مكثف لا استعراضي. بهذا المنطق، يمكن قراءة التنافس بصفة نقدية استشرافية مبنيّة على منطق برليناله وتاريخه. لهذا، فإن الرهان الحقيقي هذا العام ليس على الفيلم “الأكثر إتقانا”، بل على الفيلم الذي: يوسّع أفق التفكير ويواجه الواقع دون تجميل ويستخدم السينما كأداة وعي لا كملاذ هروب. ملامح دورة 2026. يميل لمنح الدب الذهبي لفيلم “يصعب تلخيصه” لكنه يظل عالقًا في الذهن.

ليس من السهل التنبؤ بجوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 76، لأن برليناله، بخلاف كثير من المهرجانات الكبرى، لا يكافئ “الأفضل” وفق معايير تقنية أو جماهيرية، بل وفق منطق أخلاقي ـ سياسي وجمالي متشابك. الجوائز هنا ليست تتويجا بقدر ما هي تصريح موقف..

من هذه الزاوية تحديدا، يمكنني قراءة ملامح توزيع الجوائز الكبرى لهذه الدورة على النحو التالي: الدب الذهبي مرشح للذهاب إلى فيلم يحمل عبئا سياسيا واضحا دون الوقوع في المباشرة، فيلم يضع الفرد في مواجهة السلطة لا عبر الشعارات، بل من خلال اليومي والهشّ. في هذا السياق، يبرز فيلم Yellow Letters بوصفه العمل الأكثر انسجاما مع روح برليناله التاريخية: سينما ترى في الفن فعل مقاومة، وفي القمع بنية تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة. فوز هذا الفيلم بالدب الذهبي سيكون امتدادا طبيعيا لتقليد المهرجان في مكافأة الأفلام التي تقول “لا” بهدوء، ولكن بوضوح. “حروف صفراء” إخراج: إيلكر تشاتاك ∙ بطولة: أوزغو نامال، تانسو بيشر، ليلى سميرنا كاباس ∙ ألمانيا، فرنسا، تركيا ∙ 127 دقيقة ∙ باللغة التركية يواجه الزوجان الفنانان ديريا وعزيز تعسف الدولة، فيفقدان وظيفتيهما بين ليلة وضحاها، ومعهما مصدر رزقهما. ويُصبح التوفيق بين مُثلهما وضرورات الحياة تحديا كبيرا لزواجهما. أما جائزة أفضل إخراج (الدب الفضي)، فتبدو أقرب إلى فيلم يغامر باللغة السينمائية نفسها، فيلم لا يطلب تعاطفا مباشرا، بل يدعو المشاهد إلى اختبار الزمن، والصورة، والذاكرة. هنا يبرزDao للمخرج آلان غوميس كمرشح منطقي: عمل عابر للجغرافيا، يتعامل مع الهوية بوصفها حالة سيولة لا تعريفا مغلقا. برليناله غالبا ما يفصل بين “الفيلم الذي يمثّل اللحظة” و”الفيلم الذي يوسّع حدود السينما”، وهذه الجائزة تحديدا تُمنح عادة للثاني. في المساحة الثالثة، حيث تقف جائزة لجنة التحكيم، يفضّل المهرجان غالبا الاعتراف بالأفلام التي تثير الانقسام داخل اللجنة: أعمال صارمة، صامتة، لا تسعى لإرضاء المتفرج. فيلم My Wife Cries لأنجيلا شانيليك يقع في قلب هذه المنطقة الرمادية. هو فيلم قد لا يحظى بإجماع، لكنه يحمل نقاءً أسلوبيا وفكريا يجعل تجاهله مستحيلًا. منحه جائزة لجنة التحكيم سيكون إشارة احترام لسينما التأمل القاسي، دون تحميلها عبء الجائزة الكبرى.

بهذا التوزيع المحتمل، لا تكون برليناله قد كافأت ثلاثة أفلام فحسب، بل ثلاث وظائف مختلفة للسينما: سينما تواجه السلطة، وسينما تعيد اختراع اللغة، وسينما تصرّ على الصمت كخيار جمالي وأخلاقي. وهو تقسيم، إن تحقق، سيجعل من دورة 2026 واحدة من أكثر دورات المهرجان انسجاما مع تاريخه، ومع قلق العالم الذي يعكسه.

   

اترك رد