هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير … بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

لم يكن الإنسان بحاجة إلى منظومةٍ معقّدة ليُدرك أن الألم سيّئ.

كانت التجربة وحدها كافية.

هذه الفكرة، على بساطتها، تُعيد طرح سؤالٍ قديم بصيغة مختلفة: هل الأخلاق نتاج تعاليم منظّمة، أم أنها سابقة عليها، كامنة في بنية الإنسان نفسه؟ قبل ظهور الأديان بوصفها أنظمةً تفسيرية وأخلاقية، كان الإنسان يعيش خبراته الأولى مع الألم، والخوف، والتعاطف—وهي خبرات لا تحتاج إلى تعريف كي تُفهم، ولا إلى نص كي تُمارس.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الإنسانية لا كقيمة مكتسبة، بل كاستجابة أولية: قدرة الكائن على التفاعل مع معاناة غيره، حتى دون إطارٍ نظري يفسّر ذلك. هذه القدرة، التي تظهر بوضوح في التجارب الإنسانية المبكرة، تشير إلى أن التعاطف ليس بالضرورة نتيجة تعليم، بل قد يكون جزءًا من التكوين النفسي نفسه.

مع ظهور الأديان، لم تبدأ الأخلاق من الصفر، بل دخلت مرحلة جديدة من التنظيم والتأويل. فقدّمت الأديان لغةً مشتركة لتوصيف الخير والشر، وحدّدت مسارات واضحة للسلوك، وربطت الفعل الأخلاقي بمعنى يتجاوز التجربة الفردية. بهذا المعنى، يمكن اعتبارها محاولة لتثبيت ما هو متقلّب، وتأطير ما هو حدسي.

غير أن هذا التحوّل من الإحساس إلى التنظيم لم يكن بلا أثر.

حين يُعاد تعريف الأخلاق ضمن منظومةٍ محددة، يتغيّر موقعها داخل الإنسان. لم يعد السؤال الأخلاقي ينبع دائمًا من التجربة المباشرة—“هل هذا يؤلم الآخر؟”—بل أصبح، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بإطارٍ معياري—“هل هذا جائز؟”.

أخطر ما يمكن أن يحدث للأخلاق، ليس أن تُرفض…

بل أن تُمارس دون أن تُشعر.

هذا الانتقال لا يلغي البعد الإنساني، لكنه قد يضعف حضوره، أو يؤجله لصالح الامتثال. وهنا تظهر مفارقة لافتة: يمكن للإنسان أن يلتزم بقواعد أخلاقية دون أن يعيشها شعوريًا، كما يمكنه أن يتجاهل إحساسًا داخليًا لصالح تفسيرٍ خارجي. في هذه الحالة، لا تختفي الإنسانية، لكنها تتراجع إلى مستوى أقل ظهورًا—تظل حاضرة في شكل إحساسٍ غامض بعدم الارتياح، أو في لحظة تردّد يصعب تفسيرها ضمن القواعد وحدها.

من منظور نفسي، يشير هذا إلى أن الضمير ليس مجرد انعكاسٍ للتعليم، بل هو أيضًا تجربة داخلية معقّدة، تتشكّل من التفاعل بين الإحساس، والتنشئة، والمعنى. أما فلسفيًا، فيمكن القول إن العلاقة بين الإنسانية والدين ليست علاقة تعارض، بل توتر مستمر بين الأصل والتأويل، بين ما يُشعر به وما يُعرَّف.

القول بأن الإنسانية سبقت الأديان لا يعني التقليل من دورها، بل يفتح المجال لإعادة التفكير في الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق. هل هي مفروضة من الخارج، أم منبثقة من الداخل؟ وهل يمكن لأي منظومة، مهما بلغت من الدقة، أن تحلّ محل ذلك الصوت الفردي الذي يتشكّل في مواجهة التجربة المباشرة؟

ربما لا تكمن الإجابة في اختيار أحد الطرفين، بل في إدراك العلاقة بينهما. فحين ينفصل النظام عن الإحساس، يفقد جزءًا من معناه. وحين يبقى الإحساس بلا إطار، يظل عرضةً للتذبذب. التحدي، إذًا، ليس في إثبات أسبقية أحدهما، بل في الحفاظ على توازنهما.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل ما زال الإنسان قادرًا على الإصغاء إلى ذلك الشعور الأول—البسيط والعميق—قبل أن تُعيده التفسيرات إلى مساراتٍ جاهزة؟

لأن مستقبل الأخلاق لا يتحدد فقط بما نؤمن به،

بل بمدى قدرتنا على أن نشعر… قبل أن نجد مبررًا لعدم الشعور.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد