منبر العراق الحر :
الافتتاحية:
المفارقة التي لم ينتبه إليها كثيرون أن النظام الذي صُمِّم بعد 2003 لمنع عودة “الدكتاتورية”، انتهى تدريجيًا إلى إنتاج دولة عاجزة حتى عن ممارسة السلطة بمعناها الطبيعي.
فليست أزمة العراق اليوم أزمة “شيعة” أو “سنة” أو “أكراد” بالمعنى التقليدي الذي تُحب الخطابات الشعبوية اختزال المشهد به، بل هي أزمة أعمق بكثير: أزمة نظامٍ سياسي صُمِّم منذ البداية على أساس إدارة التوازنات لا بناء الدولة، وعلى هندسة التسويات لا إنتاج السيادة.
فبعد أكثر من عقدين على 2003، لم تعد المشكلة الأساسية: من يحكم العراق؟
بل: هل ما زالت هناك بنية حكم قادرة أصلًا على إنتاج “قيادة” بالمعنى الحقيقي؟
ذلك أن النظام التوافقي، الذي قُدِّم بوصفه ضمانة لمنع الاستبداد، تحوّل تدريجيًا إلى ماكينة تُعيد تفكيك أي مركز قوة ينشأ داخله، حتى لو كان يمثل الأغلبية العددية نفسها. وهكذا، لم تتآكل قوة “الشيعة” لأنهم أقلية، بل لأن نظام المحاصصة ذاته يلتهم أي محاولة لتكوين مركز سيادي مستقر.
ومن هنا، فإن ما يبدو ظاهريًا صراعًا بين مكوّنات، هو في جوهره أزمة بنيوية في فلسفة الحكم العراقية نفسها.
من أغلبية اجتماعية إلى أقليات سياسية
في علم الاجتماع السياسي، لا تتحول الجماعات إلى قوة حاكمة بمجرد امتلاكها الأغلبية العددية، بل عندما تنجح في إنتاج:
مركز قرار
سردية جامعة
ومشروع سلطة متماسك
وهذا تحديدًا ما بدأ يتآكل داخل البيت السياسي الشيعي بعد سنوات الحكم الطويلة.
فالكتلة التي دخلت النظام بعد 2003 بوصفها:
“أغلبية تاريخية مظلومة”
تحولت تدريجيًا إلى:
مراكز نفوذ متنافسة
شبكات مصالح
قوى تبحث عن الحصة لا المشروع
وهنا فقدت “الأغلبية” معناها السياسي الحقيقي.
لأن الأغلبية حين تنقسم إلى جزر متصارعة، تتحول عمليًا إلى مجموعة أقليات تفاوضية، يفقد كل منها القدرة على فرض رؤية وطنية شاملة.
المحاصصة لا تصنع دولة… بل توازن قلق
المشكلة الأعمق أن نظام التوافق نفسه لا يسمح بولادة قيادة حقيقية.
فالقيادة في النظم الطبيعية تقوم على:
تفويض شعبي واضح
مسؤولية مباشرة
قدرة على اتخاذ القرار
أما في النظام التوافقي، فإن السلطة لا تُبنى على الحسم، بل على:
منع الغلبة
توزيع الخوف
وتقاسم النفوذ
ولهذا لا ينتج النظام:
رجل دولة”
بل:
“مدير تسوية”
أي شخصية وظيفتها الأساسية ليست تنفيذ مشروع وطني، بل منع انهيار التوازن بين القوى المتصارعة.
ومع مرور الوقت، تتحول الدولة كلها إلى مؤسسة لإدارة التناقضات بدل حلّها.
تآكل الشرعية… حين تنقلب البيئة الحاضنة
أخطر ما واجه القوى الشيعية لم يكن الخصوم السياسيين، بل تآكل شرعيتها داخل جمهورها نفسه.
فالشرعية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل بقدرة السلطة على الحفاظ على:
هيبة الدولة
الخدمات
العدالة
والسيادة
لكن سنوات:
الفساد
السلاح المنفلت
الاقتصاد الريعي
وضعف المؤسسات
أنتجت فجوة متزايدة بين المجتمع والطبقة السياسية.
وجاءت احتجاجات تشرين لتكشف التحول الأخطر:
أن جزءًا واسعًا من البيئة الشيعية نفسها لم يعد يرى الطبقة الحاكمة ممثلًا لمصالحه، بل جزءًا من أزمة الدولة.
وهنا تبدأ لحظة التفكك الكبرى:
حين تخسر السلطة “المعنى الأخلاقي” لوجودها، حتى لو احتفظت بالأرقام والمقاعد.
الدولة المتعددة الرؤوس
في الدول المستقرة يوجد مركز سيادي واضح يحتكر:
القرار
السلاح
والشرعية
أما في العراق، فقد أدى النظام التوافقي إلى إنتاج دولة متعددة الرؤوس:
مراكز حزبية
مراكز اقتصادية
مراكز مسلحة
ومراكز ارتباط خارجي
وبدل أن تكون الدولة فوق الجميع، أصبحت الدولة نفسها ساحة تفاوض بين الجميع.
وهنا يفقد النظام قدرته على إنتاج:
قرار سريع
سياسة مستقرة
أو مشروع استراتيجي طويل الأمد
لأن كل قرار يمر عبر شبكة تعطيل متبادلة.
وهكذا لم يعد العراق دولة مركزية ضعيفة فقط، بل ما يسميه بعض منظّري السياسة:
“دولة رخوة”، تمتلك مؤسسات كثيرة… لكنها تفتقد القدرة على فرض إرادة سيادية واحدة.
الخارج لا يصنع الانقسام… بل يستثمره
الخطأ الشائع في قراءة المشهد العراقي هو اختزال الأزمة بالتدخل الخارجي فقط.
لكن الحقيقة الأعمق أن الخارج لا يستطيع اختراق دولة تمتلك:
مركزًا موحدًا
ومؤسسات مستقرة
ونخبة قادرة على إدارة التناقضات داخليًا
المشكلة أن الانقسام الداخلي خلق فراغًا سياديًا واسعًا، جعل العراق ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية.
وهكذا أصبح القرار العراقي محكومًا بمعادلة شديدة التعقيد:
واشنطن تضغط
طهران تناور
الإقليم يراقب
والقوى الداخلية تبحث عن توازن بقائها
وفي هذه البيئة، لم يعد أي مكوّن قادرًا على فرض إرادته منفردًا، مهما كان حجمه العددي.
المعضلة البنيوية – النظام يستهلك نفسه
الخلل الأخطر في المحاصصة أنها لا تُنتج أزمة عابرة، بل تعيد إنتاج الأزمة باستمرار.
فكل دورة سياسية جديدة تؤدي إلى:
مزيد من التفكك
مزيد من تقاسم النفوذ
مزيد من إضعاف المركز
أي أن النظام يستهلك نفسه ذاتيًا.
والمأزق الأخطر أن القوى المستفيدة من النظام تخشى سقوطه… لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على إصلاحه، لأنها تستمد نفوذها من الخلل ذاته.
ولهذا لم تعد المشكلة مرتبطة بأسماء الحكومات أو رؤساء الوزراء، بل بطبيعة البنية التي تجعل أي سلطة عاجزة عن التحول إلى دولة كاملة السيادة.
من أزمة مكوّن إلى أزمة نموذج حكم
لهذا فإن اختزال المشهد بعنوان:
“تراجع الشيعة”
هو توصيف ناقص.
لأن ما يحدث فعليًا هو:
تراجع قدرة النظام كله على إنتاج قيادة وطنية مستقرة.
فالخلل الذي أصاب “المركز الشيعي” اليوم يمكن أن يصيب أي مكوّن آخر غدًا، لأن الأزمة ليست أزمة هوية… بل أزمة نموذج حكم يقوم على:
التعطيل المتبادل
التوازن الهش
وتوزيع السلطة بلا مركز سيادي حقيقي
الخاتمة: حين تتحول الأغلبية إلى هشاشة سياسية
أثبت العراق خلال العقدين الماضيين أن الأغلبية العددية لا تكفي لبناء سلطة مستقرة، وأن الطائفة حين تدخل لعبة المحاصصة بوصفها “مكوّن حكم”، تتحول تدريجيًا من قوة اجتماعية كبرى إلى شبكة مصالح متنازعة.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
النظام الذي أُنشئ لمنع الاستبداد، انتهى إلى إنتاج دولة عاجزة عن الحسم.
والنظام الذي قيل إنه يحمي التعددية، انتهى إلى تفكيك مراكز القوة داخله باستمرار.
ولهذا، فإن أزمة العراق الحقيقية ليست:
من يحكم؟
بل:
هل يمتلك النظام نفسه القدرة على إنتاج قيادة وسيادة ودولة؟
لأن الدول لا تنهار دائمًا بسبب نقص القوة…
بل أحيانًا بسبب استحالة إنتاج القرار.
فالعراق اليوم لا يعاني من فائض طوائف…
بل من نقص دولة.
وحين تصبح كل القوى شريكة في السلطة…
لا يعود أحد مسؤولًا عن إنقاذ الدولة
منبر العراق الحر منبر العراق الحر