منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن حزب الله موجة واسعة من النقاش، بعد انتقاده الضربات الإسرائيلية على بيروت ودعوته إلى ترك معالجة الملف للحكومة السورية بدلاً من توسيع دائرة العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
فقد أكد ترامب أن الحرب في لبنان ليست أولوية مقارنة بملف الاتفاق النووي الإيراني، معتبراً أن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار في عملياتها دون إيقاع خسائر كبيرة بين المدنيين، مضيفاً أن بإمكان سورية أن تتولى هذه المهمة بصورة أكثر فاعلية.
وفي المقابل، جاء الموقف السوري متحفظاً تجاه أي حديث عن مواجهة مباشرة مع حزب الله داخل لبنان، وهو موقف يبدو منسجماً مع طبيعة التحديات الداخلية التي تواجهها دمشق في هذه المرحلة، ومع أولوياتها الأمنية والاستراتيجية الحالية.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بما قاله ترامب فحسب، بل بما قصده فعلياً من وراء هذا الطرح. فهل كان يدعو دمشق إلى مواجهة حزب الله داخل لبنان؟ أم أنه كان يتحدث عن دور مختلف تماماً يتعلق بإعادة تشكيل البيئة الأمنية التي استفاد منها الحزب طوال العقود الماضية؟
وفي تقديري، فإن أقصى ما يمكن أن يُطلب من الإدارة السورية ليس خوض مواجهة مع حزب الله داخل الأراضي اللبنانية، بل استكمال تفكيك ما يمكن تسميته بـ«الجيش السري» للحزب في الساحة السورية؛ أي الشبكات اللوجستية ومسارات الإمداد والخلايا النائمة والبنى الأمنية التي تراكمت خلال سنوات الحرب، وتحولت إلى جزء من معادلة بقاء الحزب وقدرته على المطاولة.
فالمؤشرات المتوافرة تدل على استمرار الجهود السورية لإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والأعتدة والمخازن والأنفاق الممتدة عبر الحدود السورية – اللبنانية، والتي شكلت لسنوات طويلة أحد أهم مصادر الإسناد اللوجستي والعسكري لحزب الله. كما تشمل هذه الجهود ملاحقة الخلايا النائمة والبنى التنظيمية المرتبطة به في المناطق الحدودية الحساسة، بما يضمن تأمين الساحة السورية وإعادة احتكار الدولة لقرارها الأمني والعسكري.
وفي السياق نفسه، يمكن فهم عمليات ملاحقة وتفكيك الشبكات المرتبطة بإرث علي موسى دقدوق وغيره من كوادر الارتباط والعمل السري بوصفها جزءاً من عملية أوسع تستهدف البنية التي سمحت للحزب بالحركة والتخفي وإدامة قدراته، أكثر مما تستهدف أفراداً بعينهم.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تلك الإجراءات باعتبارها خدمة غير مباشرة للمصالح الإسرائيلية والأميركية، حتى وإن كانت دمشق تقدمها ضمن إطار استعادة السيادة الوطنية وتأمين الاستقرار الداخلي وإغلاق ملفات المرحلة السابقة.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل تعقيدات المشهد السوري الحالي، حيث يبدو أن مشروع إعادة ترتيب الساحة السورية يجري وفق تفاهمات إقليمية ودولية واسعة، تشارك فيها الولايات المتحدة وتركيا وتحظى بمتابعة إسرائيلية دقيقة، في إطار عملية إعادة تشكيل التوازنات الأمنية الجديدة في بلاد الشام.
” أردوغان صعب توريطه لبنانياً “
غير أن المشهد لا يقتصر على دمشق وحدها. فواشنطن تدرك جيداً أن الشرع لا يتحرك في فراغ استراتيجي، وأن تركيا تمثل الظهير الإقليمي الأكثر تأثيراً في سورية الجديدة. ولذلك قد لا يكون من المبالغة الاعتقاد بأن الرسالة الأميركية حملت مستويين متوازيين؛ ظاهرها موجّه إلى دمشق، أما باطنها فيتجاوزها إلى أنقرة.
فحين يتحدث ترامب عن دور سوري في معالجة ملف حزب الله، فإنه يدرك حدود القدرة السورية وحدود النفوذ التركي في الوقت نفسه. ومن هنا قد يكون المقصود الفعلي اختبار مدى استعداد المنظومة الإقليمية الجديدة في سورية لإغلاق المساحات التي استفادت منها القوى المرتبطة بإيران طوال السنوات الماضية.
ومع ذلك، فإن أردوغان يبدو أبعد من أن يُستدرج إلى مواجهة لبنانية مباشرة. فالأولوية التركية اليوم تتمثل في تثبيت الاستقرار داخل سورية وترسيخ النفوذ السياسي والاقتصادي فيها، لا الانخراط في حرب جديدة على الأراضي اللبنانية. ولهذا فإن أقصى ما يمكن أن تقبل به أنقرة هو المشاركة في إعادة ترتيب البيئة الأمنية السورية، لا الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله داخل لبنان.
ولعل هذه النقطة بالتحديد تفسر جانباً مهماً من تصريح ترامب. فهو يعلم أن الشرع لا يستطيع التحرك خارج التوازنات الإقليمية التي تحكم المشهد السوري، كما يعلم أن أنقرة ليست معنية بفتح جبهة لبنانية جديدة، لكنها معنية في الوقت نفسه بإغلاق الفضاءات الأمنية التي استفادت منها الشبكات المرتبطة بإيران خلال سنوات الحرب.
وتزداد أهمية هذه القراءة في ضوء التطورات الأخيرة، ولا سيما بعد اغتيال علي موسى دقدوق في القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في 14 يونيو. فهذه العملية بدت أقرب إلى استهداف حلقة من حلقات منظومة ممتدة، لا مجرد استهداف شخصية منفردة، في إطار مسار أوسع يستهدف شبكات الإسناد والارتباط أكثر مما يستهدف العناوين الظاهرة.
وعليه، فإن جوهر المسألة لا يكمن في السؤال عمّن سيقاتل حزب الله، بل في السؤال عمّن سيغلق البيئات والمسارات التي أبقت الحزب لاعباً إقليمياً مؤثراً طوال العقود الماضية.
هنا تحديداً تكتسب تصريحات ترامب معناها الأعمق. فالمسألة لا تتعلق بمن سيقاتل حزب الله داخل لبنان، بل بمن سيغلق البيئة الاستراتيجية التي مكّنته من البقاء لاعباً إقليمياً فاعلاً لعقود طويلة.
فإذا كانت إسرائيل تستهدف القوة الظاهرة، فإن ما يجري في سورية يستهدف البنية الخفية التي تقف خلفها. وإذا كان ظاهر الرسالة موجهاً إلى الشرع، فإن صداها السياسي يصل حتماً إلى أنقرة، بوصفها الشريك الأكثر تأثيراً في تشكيل المشهد السوري الجديد.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل طلب ترامب من دمشق مواجهة حزب الله؟ بل يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل بدأ الصراع ينتقل من مواجهة الحزب نفسه إلى تفكيك البيئة التي صنعت نفوذه وأبقت عليه طوال السنوات الماضية؟

منبر العراق الحر منبر العراق الحر