منبر العراق الحر :
لا أنا امرأةٌ
ولا أنتِ قصيدةٌ
حين نلتقي
في ذاك الفضاء
الذي ينزع فيه الوهم ثيابه
وتبقى الرعشة.
أتيتِني
لا على هيئةِ كلام،
بل كشيءٍ
ينقصُ العالمَ
وأتيتُكِ امرأةً
لا تبحثُ عن مرآةٍ
ولا عن رجلٍ
يُكملُ نقصانَها،
أتيتُكِ
وفي يدي جرحٌ
تعلَّمَ
كيف يصيرُ لغة.
بيني وبينكِ
حوارٌ لا ينتهي،
كلّما ظننتُ أنني أمسكتُ
بمعناكِ
انزلقتِ من يدي
وتركتِ لي
معنى آخر.
أخلعُ عنكِ استعارةً
فتظهرُ استعارة،
أفتحُ فيكِ باباً
فتنفتحُ مدينة،
وأصلُ إلى آخر السطر
فأكتشفُ
أنّي لم أبدأ بعد….
فأنا
لا أريدكِ جميلةً
إلى الحدِّ الذي يُفسدكِ،
لا أريدُ للصور
أن تتزاحمَ على وجهكِ
حتّى لا أرى عينيكِ.
ولا أريدكِ
عطراً في غرفة،
ولا وردةً
تصلحُ لإهدائها
في مناسبة…
أريدكِ
حين تدخلين
أن يتغيّرَ الهواء،
أن يشعرَ الجالسون
أنَّ شيئاً ما
لم يعدْ في مكانه.
أن يمدَّ أحدُهم يدَه
إلى يقينِه
فلا يجده….
كم مرةً أخفيتُكِ
كي لا يقولوا:
امرأةٌ غاضبة.
خفّضتُ صوتكِ،
سرَّحتُ فوضاكِ،
محوتُ كلمةً
كي لا تبدو جارحة،
واستبدلتُ النارَ
بشمعة،
ثمّ اكتشفتُ
أنَّهم يحبّون القصيدةَ
حين لا تحرق،
ويحبّون المرأةَ
حين تقول الحقيقةَ
بصوتٍ باهت….
فاغضبي.
هذه المرّة
لن أعتذرَ عنكِ،
لا تكوني رغيفاً
في يد فقير،
كوني السؤالَ
عمّن أخذ القمح،
لا تكوني دمعةً
على خدِّ يتيم،
اسألي
مَن تركهُ يتيماً،
لا تكوني مصباحاً
في مدينةٍ معتمة،
قولي للمدينة:
مَن أطفأ الضوء؟
فقد مللتُ القصائدَ
التي تُحسنُ وصفَ الخراب
ولا تُسمّي
يدَ الخراب….
أنا لا أكتبكِ
كي يقال:
ما أجملها.
الجمالُ
أصغرُ من حاجتي إليكِ،
أكتبكِ
كي أضعَ إصبعي
على الجرح
وأمنعهُ
من ادّعاءِ الشفاء…
أكتبكِ
كي لا يصبحَ الظلمُ
عادةً لغوية،
كي لا تتحوّلَ المأساة
من كثرةِ تكرارها
إلى خبرٍ قصير…
كي يبقى الميتُ
ميتاً له اسم،
لا رقماً
في أسفل الشاشة…
تعالي إليَّ
بلا يوسف،
بلا موسى،
بلا بحرٍ ينشقّ،
ولا موتى يقومون
لكي تكتملَ الصورة…
دعينا من المعجزات،
المعجزةُ الآن
أن يقولَ الإنسان: لا
حين تكونُ نعم
أكثرَ أماناً….
أن يعيدَ رغيفاً
إلى جائع
من دون أن يلتقطَ صورةً
لجوعه.
أن تحبَّ امرأةٌ
ولا تجعلَ الحبَّ
اسماً آخرَ للفقدان.
هذه معجزاتنا الصغيرة،
فلا تُثقليها
بالأنبياء.
لا أريدُ أن أحملكِ
مثل حمامةٍ
إلى سماءٍ
تمتلئُ بالطائرات،
الحمامُ بريءٌ أكثرَ ممّا ينبغي،
كوني غراباً
إن لزم الأمر،
كوني صوتًا خشنًا
فوقَ نافذةِ النائم،
كوني حجرًا صغيرًا
في حذاءِ الطاغية،
كوني الشقَّ
الذي يبدأُ منه
سقوطُ الجدار…
ولا تخافي
إن قالوا عنكِ:
لست ِجميلة.
ثمّةَ أشياءُ
لا يليقُ بها الجمال…
لا تكوني وطني
لقد تعبتُ
من الأوطانِ التي تطلبُ
أن نموتَ كي تثبتَ أنّها تحبُّنا،
كوني مكاناً
أستطيعُ أن أغادرَه
ثمّ أعود،
مكاناً
لا يسألني
أين كنتُ.
لا يفتّشُ حقيبتي،
ولا جسدي،
ولا ذاكرتي.
مكاناً
لا يطالبُ المرأةَ
أن تكونَ أمّاً له
كلّما جاع…
وأنا أيضاً
لن أكونَ أمَّكِ،
لن أرضعكِ
من دمي
ثم أموتَ
كي تعيشي.
كبرتُ على هذا المجاز.
سأعطيكِ ما أستطيع،
ثمّ أترككِ
تذهبين وحدكِ.
فالقصائدُ التي لا تستطيعُ
المشيَ من دون أصحابها
لم تولد بعد…
اذهبي.
ادخلي بيتاً
لا أعرفه.
اجلسي قرب امرأةٍ
لم أرَ وجهها قط.
قولي لها شيئاً
كنتُ أظنُّ
أنني كتبتهُ لنفسي،
وحين تبكي
أو تضحك
أو تطوي الصّفحة
ولا تقول شيئاً،
كوني لها.
لا تعودي إليَّ.
كلّماحاولت
أن أجعلكِ كاملة
مِتِّ قليلاً.
فهمتُ أخيراً:
النقصُ نافذتكِ.
والشرخُ
هو المكانُ الذي
يدخلُ منه القارئ.
فاتركي نهايةً
لا تصلُ.
واتركي سؤالاً
من دون علامة استفهام،
واتركي كرسياً
فارغًا
في منتصف الكلام.
لعلَّ أحداً
يأتي بعدي
ويجلس.
لا أنا امرأةٌ
حين أكتبكِ،
ولا أنتِ قصيدةٌ
حين تقرئينني.
نحنُ امرأتان
تتبادلانِ الجسد:
أنا أعطيكِ صوتي،
وأنتِ تعطينني
ما لم أجرؤ
أن أقولَه بصوتي.
أنا أكتبكِ
فتفضحينني.
أُخفيكِ
فتظهرين.
أضعُ النقطةَ
فتفتحين بعدها
طريقاً.
وكلّما قلتُ:
انتهيتِ،
سمعتُكِ
من آخر الصفحة
تضحكين،
وتقولين:
بل أنتِ
التي بدأتِ الآن.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر