منبر العراق الحر :
لم تكن أمُّهم تخشى الليل بقدر ما كانت تخشى الطرق على الباب.
فالليل، مهما طال، لا بد أن ينتهي، أما الطرقات التي تأتي بعد منتصفه فلم تكن تنذر بخير في تلك السنوات العجاف.. , كانت تعرف وقعها قبل أن تسمعها؛ ثلاث ضربات متلاحقة، تتبعها لحظة صمت قصيرة، ثم صوت رجل يأمر بفتح الباب.
لم تكن تحتاج إلى أن تنظر من النافذة كي تعرف من الطارق، ولا إلى أن تسأل عن هويته.. , ففي مدينة العمارة، مطلع الثمانينيات، صار للخوف صوت، وللقلق خطوات، وللأبواب ذاكرة تحفظ أسماء الذين دخلوا ولم يعودوا.
كان البيت، في ذلك المساء، هادئاً على غير عادته.
جلس كريم قرب المصباح، يطالع كتاباً مفتوحاً أمامه.. , كان في التاسعة عشرة، طالباً في الصف السادس الإعدادي، وفي رأسه عالم أكبر من الغرفة التي يجلس فيها.. , يحلم بإكمال دراسته، وأن يصبح له عمل مستقل، وأن يخرج ذات صباح إلى الشارع من غير أن يلتفت خلفه كل بضع خطوات.
رفع عينيه عن الكتاب، فرأى أمه تراقبه.
قال مبتسماً:
— ما بكِ يا أمي؟ أتخافين أن يهرب الكتاب مني؟
لم تبتسم.
— أخاف أن تأخذك الأيام بعيداً يا كريم.
أغلق الكتاب برفق، وقال:
— الأيام لا تأخذ أحداً يا أمي…, نحن الذين نمضي فيها.
كانت تعرف أنه يحاول طمأنتها، لكنها لم تكن تطمئن.. , فمنذ بدأت أخبار الاعتقالات تتناقلها البيوت، لم تعد كلمات الشباب كافية لتهدئة قلوب الأمهات.
في الغرفة الأخرى، كان محمد وعلي ولعيبي يتحدثون مع صديقهم إياد حامد سالم الحسناوي.. , لم يكن إياد واحداً من أبناء العشيرة والقرابة ، لكنه كان واحداً من أهل الدار.. , اعتاد أن يدخل من الباب من غير استئذان طويل، وأن يجلس حيث يجلسون، وأن يشاركهم أحاديثهم الصغيرة كما لو أن البيت بيت أبيه.
كانوا خمسة رجال، لكنهم لم يكونوا خمسة غرباء جمعهم موقف عابر؛ أربعة أشقاء وصديق التصق بهم حتى صار جزءاً من حكاية العائلة.
قال إياد وهو ينهض:
— تأخرت… سأعود غداً.
رد عليه أحدهم:
— لا تتأخر هذه المرة.
ضحك إياد:
— وهل بقي في الدنيا شيء لا يتأخر؟
لم يكن أحد منهم يعرف أن تلك الجملة ستبقى معلقة في ذاكرة البيت، وأن الغد الذي وعد به لن يأتي بالصورة التي تخيلوها.
على رف قريب من الباب، كان كتاب «مفاتيح الجنان» موضوعاً إلى جانب بعض الكتب الدينية والأوراق.. , لم يكن في وجوده ما يستدعي الانتباه داخل بيت اعتاد أهله ممارسة شعائرهم الدينية.. , كان كتاباً مألوفاً، تتنقل صفحاته بين أيديهم، وتُقرأ بعض أدعيته في المناسبات والأوقات التي يحتاج فيها الإنسان إلى شيء من السكينة.
لكن البلاد التي كانت تعيش تحت حكم الخوف والرعب لم تعد تقيس الأشياء بمعانيها البسيطة… ؛ فالكتاب قد يتحول إلى قرينة اتهام ، والزيارة الدينية إلى شبهة، والصداقة إلى تهمة، والكلمة إلى ملف، والإنسان إلى رقم في سجل لا يعرف أهله أين ينتهي.
كان الفجر قد بدأ يتسلل إلى أطراف المدينة حين دوّى الطرق على الباب.
استيقظت الأم مذعورة.
لم يكن الطرق هذه المرة خفيفاً أو متردداً.. , كان عنيفاً، كأن الذين يقفون في الخارج لا يريدون فتح الباب فحسب، بل يريدون اقتلاعه من مكانه.
سمعت صوتاً غليظاً:
— افتحوا الباب!
نهض محمد أولاً، تبعه علي، ثم لعيبي.. , أما كريم فبقي لحظة قرب الكتاب المفتوح، كأنه يحاول أن يفهم كيف أمكن لليلة عادية أن تنقلب بهذه السرعة إلى شيء آخر.
صرخت الأم:
— من أنتم؟ ماذا تريدون؟
جاءها الرد:
— افتحي، أمن!
لم يكن في البيت ما يمكن أن يوقف المداهمة.. , انفتح الباب، واندفع الرجال إلى الداخل، وانتشرت أصوات الأوامر في الغرف والممرات.
— الجميع في مكانه!
— لا أحد يتحرك!
فتشوا الأدراج والخزائن، قلبوا الأغطية، بعثروا الأوراق، وفتحوا الكتب.. , ثم وقع نظر أحدهم على «مفاتيح الجنان».
رفعه بيده، وقلب صفحاته ببرود، ثم سأل:
— لمن هذا الكتاب؟
لم تجبه الأم.. , لم تكن تعرف ماذا تقول.. , كيف يمكن لكتاب اعتادت أن تراه بين أيدي أبنائها أن يصبح فجأة سبباً للخوف؟
قالت أخيراً:
— كتاب دعاء… موجود في كل بيت.
لم ينظر إليها.
— سنعرف.
اقترب كريم من أمه، فدفعه أحد العناصر إلى الخلف.
قال محمد:
— ماذا تريدون منهم؟ إنهم لم يفعلوا شيئاً.
رد الرجل:
— لا تتدخل.
وفي دقائق قليلة، امتلأ البيت برجال لا تعرفهم الأم، وأوامر لا تستطيع الاعتراض عليها، وأقدام تعبر المكان الذي كان قبل لحظات آمناً.
أُخذ الأشقاء الأربعة.
وطالت الاعتقالات أخاهم الأكبر شنشل مهنا الغراوي، الذي كان سيعرف لاحقاً أن السجن لا يكتفي بأخذ الإنسان من أهله، بل يحاول أن ينتزع منه القدرة على تذكّر نفسه.
أما إياد، فقد دخل اسمه هو الآخر في دائرة الغياب.
لم تستطع الأم أن تحفظ وجوه الرجال الذين اقتادوا أبناءها.. , كانت تنظر إلى أبنائها وحدهم؛ إلى محمد الذي لم يكمل جملته، وإلى علي الذي التفت إليها كأنه يريد أن يوصيها بشيء، وإلى لعيبي الذي حاول أن يبدو متماسكاً، وإلى كريم الذي كان لا يزال يحمل في عينيه دهشة طالب لم يفهم لماذا انتهى يومه الدراسي قبل أن يبدأ.
وقبل أن يغادر كريم، التفت إلى أمه.
— لا تخافي.
كانت تلك آخر كلمتين سمعتهما منه.
ثم راعها خبرُ اعتقال ابنها الأكبر، شنشل الغراوي، من أمام أطفاله وزوجته، وهم يصرخون فزعًا وألمًا… ؛ فما كان منها إلا أن استنفرت نساء العشيرة والجيران، وهي تصرخ وتلطم وجهها، مرددةً بحرقةٍ وانكسار: ((بيت وصفه من الزلم خالي )) فيما راحت النساء يندبن معها، وتتعالى أصواتهن بالبكاء والنحيب، في مشهدٍ يختلط فيه الفجيع باللوعة، وتفيض فيه القلوب حزنًا ووجعًا.
في الأيام الأولى، لم تصدق الأم أن الأمر قد يطول.
قالت لنفسها إنهم سيعودون بعد التحقيق، وإن الأمر لا يعدو أن يكون سوء فهم، وإن أحداً سيقرأ الأوراق ويكتشف أن أبناءها ليسوا كما يصورهم الآخرون.
كانت تذهب وتسأل.
تطرق أبواب المؤسسات والدوائر الأمنية والفرق الحزبية.
تقف أمام الموظفين والجلادين وعناصر الأمن والحزب.
تشرح أن أبناءها طلاب وشباب، وأنها لا تعرف لهم ذنباً، وأنها تريد فقط أن تعرف أين هم.
لكنها كانت تعود في كل مرة بالكلمات نفسها:
— راجعي غداً.
— لا توجد معلومات.
— لا شأن لنا بهذا الموضوع.
— انتظري حتى يصلكم خبر.
ومع كل مراجعة، كان وجهها يزداد شحوباً، لا لأن السنوات تقدمت بها، بل لأن الانتظار كان يأكل من عمرها أكثر مما تأكله السنون.
أما أبوهم المريض، فكان يجلس في المساء صامتاً، يضع يديه على ركبتيه، وينظر إلى الباب.. , لم يكن يبكي أمام أحد، لكنه كان ينهض كلما سمع صوت دراجة تتوقف في الزقاق، أو وقع خطوات تشبه خطوات أبنائه.
كانت الأم تسأله:
— هل سمعت شيئاً؟
فيهز رأسه.
ثم يسألها هو:
— هل أكلوا اليوم؟
لم تكن تعرف ماذا تجيب.
لم يكن السؤال عن الطعام سؤالاً عابراً؛ كان وسيلته الوحيدة لتخيل أنهم ما زالوا أحياء.. , فحين يعجز الإنسان عن معرفة مصير أحبته، يتشبث بأبسط التفاصيل: هل أكلوا؟ هل ناموا؟ هل وجدوا ماءً؟ هل يعرفون أننا ننتظرهم؟
وهكذا صار الغائبون يأكلون في خيال أمهم، وينامون في دعائها، ويكبرون في ذاكرة أبيهم، بينما كان الزمن يمضي خارج البيت كأن شيئاً لم يحدث.
كان كريم أكثرهم حضوراً في ذاكرة أمه.
ربما لأنه كان أصغرهم، وربما لأن اعتقاله جاء وهو لا يزال طالباً يحمل كتب المدرسة وأحلام المستقبل.
كانت دفاتره باقية في الغرفة.
على الصفحة الأخيرة من أحدها، وجدت الأم مسائل لم تكتمل، وتحتها كتابة صغيرة بخط يده.. , لم تكن جملة مهمة، ولا وصية، ولا رسالة إلى أحد.. , كانت مجرد ملاحظة دراسية، لكنها احتفظت بها كما يحتفظ الناس بالأشياء التي لا يعرفون لماذا يخشون فقدانها.
كانت تمرر أصابعها فوق الحروف، ثم تغلق الدفتر وتعيده إلى مكانه.
وفي بعض الليالي، كانت تخرج قميصه من الخزانة، وتطويه من جديد.
قالت لها إحدى النساء ذات يوم:
— اتركي الملابس يا أختي… لا تعذبي نفسك.
أجابت:
— وإذا عاد، ماذا أقول له؟ أأقول إنني لم أحتفظ بشيء من أشيائه؟
لم تكن المرأة تعرف أن الأمل قد يتحول أحياناً إلى شكل آخر من أشكال الألم، وأن الأشياء الصغيرة تصبح في بيوت المفقودين أثقل من الجبال.
لم يكن شنشل مهنا الغراوي مجرد أخ أكبر في ترتيب العائلة.. , كان يحمل في حضوره شيئاً من مسؤولية الأب، وفي صمته شيئاً من تحفظ الرجال الذين تعلموا مبكراً أن الكلام قد يكون تهمة.
وحين امتدت يد الاعتقال إليه، لم يكن يعرف أن السنوات المقبلة ستجعله شاهداً على ما لا ينبغي لإنسان أن يشهده، وأن الذاكرة التي سيخرج بها من السجن ستكون أثقل من سنوات الاعتقال نفسها.
في السجن، لم تكن الأسماء أسماءً دائماً.. , كانت أرقاماً، وأوامر، ونداءات مقتضبة، ووجوهاً تظهر في لحظة ثم تختفي.. , وكانت الأجساد تتعلم معنى الألم قبل أن تتعلم معنى الزمن.
لكن شنشل كان يعرف أن هناك شيئاً أشد قسوة من تعذيب الجسد: أن تسمع أخاك يتألم ولا تستطيع الوصول إليه، أن تعرف صوته من بين عشرات الأصوات، وأن تظل عاجزاً عن فعل شيء سوى الإصغاء.
وفي إحدى المرات، حين رأى إخوته الأربعة وإياد يتعرضون للتعذيب، لم تكن المسافة بينهم مسافة غرف أو أبواب، بل مسافة كاملة من العجز.
كان يسمع صراخهم.
محمد.
علي.
لعيبي.
إياد.
ثم كريم.
كان صوت كريم مختلفاً؛ صوت شاب لم يكن قد غادر مقعد الدراسة إلا منذ وقت قريب، ولم يكن يتصور أن العالم يمكن أن يتحول إلى هذا القدر من الوحشية.
كان يصرخ: (( يمّه يمّه الحكي لي ))
لم تكن العبارة مجرد استغاثة.. , كانت عودة مفاجئة إلى حضن الأم، إلى البيت، إلى المكان الذي كان يظن أن فيه من يحميه.. , كانت أمه، في تلك اللحظة، أقرب إليه من الجدران، وأبعد عنه من أي وقت مضى.
وكان صوته يملأ أرجاء دائرة الأمن.
لم يستطع شنشل أن يفعل شيئاً.
لم يكن يستطيع أن يصرخ باسمه، ولا أن يقترب منه، ولا أن يوقف ما يحدث.. , كان يسمع أخاه يتوسل، ويعرف أن كل كلمة تخرج منه قد لا تكون سوى محاولة أخرى للبقاء.
كان يريد أن يمد يده.
لكن يديه لم تكونا له.
كان يريد أن يقول لكريم إنه يسمعه، وإنه موجود، وإنه ليس وحده.
لكن الصمت كان جزءاً من العقوبة، والعجز جزءاً من المشهد.
ولعل أشد ما بقي في ذاكرته لم يكن صوت الضرب، ولا وقع الأوامر، ولا وجوه الذين كانوا يمارسون التعذيب؛ بل تلك اللحظة التي اختلط فيها صوت كريم بأصوات إخوته، حتى بدا المكان كله وكأنه يصرخ.
لم يكن شنشل يتذكر ذلك بوصفه حادثة عابرة، بل بوصفه باباً لا يزال مفتوحاً في داخله.
كلما عاد إليه، وجد نفسه في المكان ذاته.
يسمع الصوت ذاته.
ويرى الوجوه ذاتها.
ويعود السؤال الذي لم يستطع الإجابة عنه يومها: كيف يمكن لأخ أن يسمع أخاه يتعذب، ثم يخرج من ذلك المكان حاملاً حياته، بينما يظل الآخرون عالقين في اللحظة نفسها؟
كان أبو فكر رجلاً آخر من رجال تلك المدينة، لكنه لم يكن يشبه أحداً ممن اعتادت العمارة أن تراهم.
قبل أن يتحول إلى صورة مألوفة في شوارعها، كان شيوعياً، يحمل قناعاته بقدر من الحدة، ويؤمن أن الإنسان لا ينبغي أن يخضع للسلطة لمجرد أنها سلطة.
كان يعرف شيئاً عن السياسة، وعن التنظيم، وعن الخلاف، وعن معنى أن تكون لك فكرة لا تتفق مع أفكار الحاكم.
لكن ما حدث له في بغداد عام 1978 لم يكن خلافاً سياسياً، ولا نقاشاً في العقائد، ولا مواجهة بين رأيين.
خرج أبو فكر من الأمن العامة بعد تعذيب قاسٍ، وقد أصابته آثار ذلك التعذيب في عقله ونفسيته.. , لم يعد الرجل الذي دخل المكان.. , عاد إلى العمارة وهو يحمل في داخله شيئاً انكسر، ولم يعد يعرف كيف يعيده إلى موضعه.
كان الناس يتهامسون بشأنه.
يقول بعضهم إنه فقد عقله.
ويقول آخرون إنه لم يعد يميز بين الأمكنة والأشخاص.
لكن الذين عرفوا شيئاً عن حكايته كانوا يعرفون أن الجنون الذي ظهر عليه لم يكن وليد الشارع، بل وليد مكان آخر؛ مكان أُخذ إليه الإنسان كي يتعلم الخوف، فخرج منه وهو لا يعرف كيف يعيش خارج الخوف.
صار أبو فكر يجوب شوارع العمارة بدراجته الهوائية.
كانت دراجته جزءاً من صورته، كأنها الشيء الوحيد الذي بقي له من حياته القديمة.. , يمضي بها بين الأزقة، يتوقف عند مفترق، ثم يعود إلى الطريق، ويظهر في مكان آخر من المدينة.
وكان يحمل لافتة كتب عليها: «لا بعثية بعد اليوم !!».
لم يكن يرفعها في مظاهرة منظمة، ولم يكن يقف خلفه حزب أو جماعة، ولم يكن يملك من وسائل الاحتجاج سوى جسده المتعب، ودراجته، والعبارة التي بقيت معلقة في رأسه.
كان يرفعها كأنما يعلن موقفاً لم يعد يعرف كيف يعلنه بالكلام.
بعض الناس كانوا يبتعدون عنه خوفاً.
وبعضهم كانوا ينظرون إليه بصمت.
وأحياناً كان الأطفال يركضون خلف دراجته، يضحكون أو ينادونه، فيما كان هو يمضي كأن أصواتهم تأتي من مكان بعيد.
لم يكن أحد يعرف ماذا يدور في رأسه.
ربما كان يستعيد بغداد.
ربما كان يستعيد اجواء غرف التحقيق الرهيبة .
ربما كان يواجه في كل شارع رجلاً لا يراه الآخرون.
وربما كانت اللافتة آخر ما بقي له من القدرة على قول «لا».
لم يكن أبو فكر يرفع راية انتصار.
كان يرفع بقايا إنسان خرج من التعذيب، ولم يجد في العالم مكاناً يستطيع أن يضع فيه ما حدث له.
وبعد أن تناهى إلى سمعه نبأ الفاجعة التي حلّت ببيت الحاج مهنا الغراوي، ولا سيما أن علاقته بكريم كانت طيبة، إذ اعتاد كريم أن يقدّم له الطعام الشهي بين الحين والآخر، أخذ أبو فكر يصرخ من حين إلى آخر، بأعلى صوته، وكأنّ الفجيعة قد انتزعت من صدره كل ما تبقّى من صبره: «أخذوهم البعثية! راحوا الشباب! أوَيلي عليك كرومي… راح يشوفونك الويل!»
وكانت صرخاته تتردّد في المكان، محمّلةً بوجع الفقد ومرارة العجز، كأنّه يحاول بصوته أن ينتزع كريمًا من قبضة الغياب، أو أن يردّ عن جسده ما ينتظره من عذاب.
وفي عام 1981، عُثر عليه مقتولاً قرب إحدى المزابل في مدينة العمارة .
لم يكن موته مفاجئاً في مدينة اعتادت أن تسمع الأخبار الموجعة، لكنه كان من النوع الذي يترك وراءه سؤالاً لا ينتهي.
كيف انتهى الرجل الذي كان يجوب الشوارع معلناً رفضه؟
ومن الذي قتله؟
ولماذا؟
لم تكن الإجابات متاحة.
لكن صورته بقيت في ذاكرة من عرفوه: رجل على دراجة، يحمل لافتة صغيرة، ويجوب شوارع العمارة، كأنما يرفض أن يختفي تماماً.
مرت سنة، ثم أخرى.
تغيرت وجوه الناس في الشوارع، وتبدلت الأخبار، وازدادت الحرب ضراوة، وامتلأت البيوت بصور الشباب الذين خرجوا إلى الجبهات ولم يعودوا.
كان العراق يتسع للموت، ويضيق بالحياة.
في محافظة العمارة، كانت الأمهات يتبادلن الأخبار كما يتبادل المرضى وصفات الدواء؛ خبر عن معتقل خرج، وآخر عن سجين نُقل، وثالث عن اسم ظهر في قائمة، ورابع عن عائلة قيل لها إن ابنها لن يعود.
أما بيت الغراوي، فظل معلقاً بين احتمالين: أن يكون الأبناء أحياء في مكان مجهول، أو أن يكونوا قد رحلوا من غير أن يسمح لهم أحد بإخبار أهلهم.
كان الأب يرفض أن يصدق الاحتمال الثاني.
ذات مساء، قالت له زوجته:
— إلى متى سننتظر؟
نظر إليها طويلاً.
— ما دام لا يوجد خبر، سننتظر.
— وإذا كان الخبر موجوداً ولا يريدون إخبارنا؟
لم يجب.
كان يعرف أن السؤال أكبر من قدرته على الاحتمال.
أما شنشل، فقد بقي في السجن سنوات طويلة.
كان الزمن يمر عليه بطيئاً، لكنه لم يكن يمر خفيفاً.. , كل يوم يحمل شيئاً من اليوم الذي سبقه، وكل ليلة تعيد إليه الأصوات التي حاول أن يدفنها في ذاكرته.
كان يتذكر إخوته.
ويتذكر إياد.
ويتذكر كريم أكثر من الجميع.
لم يكن يستطيع أن ينسى تلك العبارة : «يمّه يمّه الحكي لي راح اموت ».
كانت تلاحقه في نومه، وتظهر له في اللحظات التي يحاول فيها أن ينسى.. , لم يكن صوتاً عابراً، بل كان صورة أخيه وهو يستغيث، وصورة الأم التي لم تكن موجودة في ذلك المكان، لكنها كانت حاضرة في صراخه.
وحين خرج شنشل بالعفو في عقد التسعينيات ، لم يخرج من السجن كما يخرج الناس من باب زنزانة إلى شارع.
خرج وهو يحمل سنواته على وجهه، وأصواتاً لا يستطيع أن يسكتها، وذاكرة لم تمنحه فرصة أن يبدأ من جديد.
كان البيت الذي عاد إليه مختلفاً.
لم تعد الأم كما كانت.
ولم يعد الأب.
ولم يعد إخوته.
كانت الأشياء في أماكنها، لكنها لم تعد تحمل المعاني نفسها.
دخل الغرفة التي كان كريم يجلس فيها قرب المصباح.
رأى الدفاتر.
ورأى الكتاب.
ورأى المكان الذي كان يجلس فيه أخوه.
لم يقل شيئاً.
لم يكن يحتاج إلى أن يقول.
فبعض الغياب لا يحتاج إلى كلمات، وبعض الكلمات لا تستطيع أن تصف الغياب.
في عام 1983، كان كريم قد بلغ العمر الذي كان يفترض أن يكون فيه قد أنهى دراسته، وربما دخل الجامعة، وربما أصبح له أصدقاء جدد وأحلام أخرى.
لكن الوثائق التي ظهرت بعد سقوط النظام البعثي أشارت إلى أن حكم الإعدام نُفذ بحقه في ذلك العام، بعد نحو عامين من اعتقاله.
لم تعرف أمه ذلك حينها.
لم تعرف أن ابنها الذي كانت تتخيله في زنزانة بعيدة، ينتظر التحقيق أو العفو أو إطلاق السراح، قد أصبح جثة لا تعرف أين دفنت.
ولم تعرف أن الدعاء الذي كانت تقرؤه كل ليلة لم يعد يصل إليه، إلا بالمعنى الذي تمنحه الأمهات للكلمات حين لا يبقى لهن شيء غيرها.
أما محمد وعلي ولعيبي وإياد، فقد ظلت أسماؤهم مرتبطة بالمصير المأساوي نفسه في الروايات والوثائق المتداولة عن قضيتهم، من دون أن تحصل الأسرة على معرفة واضحة ونهائية بمواقع دفنهم.
وهكذا لم ينتهِ الاعتقال بانتهاء السجن، ولم ينتهِ الإعدام بانتهاء الحياة؛ لأن الغياب حين يُحرم من القبر يتحول إلى سجن آخر، لا جدران له، ولا حارس، ولا موعد معلوم للخروج.
في التاسع من نيسان عام 2003، سقط النظام.
تغيرت صور الشوارع، وفتحت السجون أبواباً، وبدأ الناس يبحثون عن أسمائهم في قوائم الناجين والمعتقلين والمعدومين.
كان بعضهم يخرج من السجون حاملاً سنواته على وجهه، وبعضهم يخرج من المقابر الجماعية حاملاً عظام أحبته، وبعضهم يكتشف أن أبناءه ماتوا منذ زمن بعيد، وأن الانتظار الذي عاشه لم يكن سوى إقامة طويلة في وهم النجاة.
وصلت إلى أسرة الغراوي معلومات ووثائق كشفت جانباً من مصير أبنائها، وأشارت إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم خلال الفترة الممتدة بين عامي 1981 و1983.
قرأت الأم الأسماء.
محمد مهنا الغراوي.
علي مهنا الغراوي.
كريم مهنا الغراوي.
لعيبي مهنا الغراوي.
إياد حامد سالم الحسناوي.
كانت الأسماء أمامها، لكنها لم تستطع أن تقرأها كما يقرأ الناس الأسماء.
توقفت عند اسم كريم.
أعادت قراءته.
ثم سألت بصوت خافت:
— أين قبره؟
لم يكن لدى أحد جواب.
سألت مرة أخرى:
— أين دفنوه؟
ساد الصمت.
كان النظام قد سقط، لكن القبر لم يظهر.. , انفتحت السجون، لكن الأبواب التي أغلقت على أسرار كثيرة بقيت مغلقة.. , عرفت العائلة أن أبناءها لم يعودوا أحياء، لكنها لم تعرف أين تذهب لتضع وردة، أو لتقرأ الفاتحة، أو لتقول أخيراً: هنا يرقد ولدي.
قالت الأم:
— كنت أريدهم أحياء، ثم رضيت أن يعودوا أمواتاً، والآن لا أطلب سوى مكان أزورهم فيه.
لم يكن في الغرفة من يستطيع أن يجيبها.
كان شنشل يسمع أمه، ويعرف أن ما تقوله لا يخص القبور وحدها.
كان يعرف أن هناك قبراً آخر في داخل الإنسان؛ قبر الأشياء التي لا يستطيع دفنها، والأصوات التي لا يستطيع إسكاتها، والوجوه التي لا يستطيع نسيانها.
كان قد خرج من السجن بالعفو، لكن العفو لم يكن قادراً على أن يعيد إخوته، ولا أن يمحو ما شاهده، ولا أن يوقف صوت كريم حين كان يصرخ.
لم يكن يريد أن يتحدث كثيراً عن تلك الأيام.
لكن الذاكرة لم تكن تستأذنه.
كانت تعيده إلى دائرة الأمن.
إلى المكان الذي رأى فيه إخوته الأربعة وإياد يتعذبون.
إلى الصوت الذي ملأ المكان.
إلى العبارة التي بقيت عالقة في قلبه: «يمّه يمّه الحكي لي .. راح اموت ».
وكان كلما تذكرها، شعر أن أخاه لا يزال هناك، ينتظر من يجيبه.
في أحد الأيام، أخرجت الأم الدفاتر القديمة من الخزانة.
كان غبار خفيف قد استقر فوقها.
فتحت دفتر كريم، ووقفت عند الصفحة التي لم تكتمل فيها المسألة الدراسية.
مررت أصابعها على السطر، ثم وضعت الدفتر جانباً.
أخرجت قميصه.
ثم أعادت طيه.
لم تعد تنتظر عودته من السجن، ولم تعد تصدق أن الباب سيُفتح في منتصف الليل ليعود الأشقاء الخمسة معاً.
لكنها ظلت تنتظر شيئاً آخر: أن تعرف أين انتهت أجسادهم، وأن تحصل على حقها في وداعهم.
كان البيت قد فقد أصواتاً كثيرة.
لم يعد محمد يتحدث في الغرفة الأخرى.
ولم يعد علي يضحك.
ولم يعد لعيبي يدخل من الباب.
ولم يعد كريم يفتح كتبه قرب المصباح.
ولم يعد إياد يأتي ليجلس بينهم.
ومع ذلك، لم يصبح البيت خالياً تماماً.
كانت أسماؤهم تسكنه.
في الجدران.
وفي الدفاتر.
وفي الأكواب التي لم تعد تُستخدم.
وفي المكان الذي كان كل واحد منهم يفضله للجلوس.
حتى الباب ظل يحتفظ بذاكرته؛ الباب نفسه الذي فُتح ذات فجر، فخرج منه خمسة رجال، ولم يرجعوا.
كانت مدينة العمارة تمضي في حياتها.
أطفال يلعبون في الأزقة.
وباعة ينادون على بضاعتهم.
ودراجات تمر.
وأبواب تُفتح وتُغلق.
وبين هذه التفاصيل اليومية، كانت صورة أبي فكر تعود أحياناً إلى ذاكرة المدينة.
رجل على دراجة هوائية.
لافتة صغيرة.
عبارة واضحة: «لا بعثية بعد اليوم».
كان قد خرج من بغداد عام 1978، بعد أن أخذ التعذيب منه شيئاً لم يستطع أن يسترده، ثم عاد إلى شوارع العمارة يحمل رفضه على هيئة لافتة.
وفي عام 1981، انتهت حكايته قرب إحدى المزابل.
لم يكن له قبر معروف في ذاكرة الناس.
ولم تكن له جنازة تليق بما عاشه.
لكن صورته بقيت.
وكأن المدينة، التي لم تستطع أن تحميه، احتفظت به في ذاكرتها كي لا يموت مرة أخرى.
لم تكن حكاية الأشقاء الأربعة وصديقهم مجرد حكاية عائلة فقدت أبناءها في زمن القمع.
كانت صورة مصغرة عن بلد تحولت فيه السلطة، في سنوات حكم البعث وصدام، إلى قوة قادرة على اقتحام البيوت، ومصادرة الطمأنينة، وملاحقة الناس بسبب قناعاتهم وانتماءاتهم، وترك عائلاتهم أمام مصائر لا تعرف كيف تتعامل معها.
وكان الجنوب العراقي، بما عرفه من فقر وتهميش وحروب وملاحقات سياسية وأمنية، يحمل نصيباً ثقيلاً من تلك المآسي.
لم تكن معاناة أهله أرقاماً في تقارير، ولا مجرد صفحات في كتب التاريخ؛ كانت أمهات يخفين دموعهن عن الأطفال، وآباء يراقبون الأبواب، وطلاباً تتوقف أحلامهم قبل أن ينهوا امتحاناتهم، وبيوتاً لا تعرف إن كان عليها أن تقيم العزاء أم تواصل الانتظار.
ولم يكن أصعب ما في الجريمة أن يُسلب الإنسان حياته وحدها؛ بل أن يُسلب من أهله حق معرفة كيف مات، وأين دُفن، وكيف يمكنهم أن يودعوه.
فالقتل ينهي حياة الضحية، أما التغييب فيترك حياة عائلته معلقة بين الموت والاحتمال.
وحين يصبح القبر مجهولاً، لا يعود الحزن مناسبة تنتهي بعد أيام، بل يتحول إلى إقامة دائمة في قلب البيت.
في مساء بعيد، جلست الأم قرب النافذة.
كانت مدينة العمارة تمضي في حياتها، كما لو أن شيئاً لم يحدث.
لكنها كانت تعرف أن المدن لا تنسى بالطريقة التي ينسى بها الأفراد.
ففي كل شارع قصة.
وفي كل بيت اسم غائب.
وفي كل أم ذاكرة لا تستطيع السنوات محوها.
رفعت رأسها نحو السماء، وقالت كأنها تخاطب أبناءها:
— لم أعد أطلب منكم أن تعودوا… أريد فقط أن أعرف أين أنتم.
ثم سكتت.
كان الصمت هذه المرة مختلفاً؛ لم يكن صمت الخوف من طارق مجهول، بل صمت أم أنهكها السؤال، ولم تجد في كل ما مضى من العمر جواباً يليق بفقدها.
أما شنشل، فقد ظل يحمل في داخله أصوات إخوته.
ولم يكن أبو فكر قد اختفى تماماً من شوارع العمارة.
كانت دراجته، ولافتته، وعبارته، وموته قرب إحدى المزابل، أجزاء من ذاكرة مدينة عرفت كيف يعيش الخوف في تفاصيلها اليومية.
خمسة رجال خرجوا من بيت واحد.
أربعة جمعهم الدم، والخامس جمعته بهم المودة.
وأخ أكبر رأى ما لا ينبغي لأخ أن يراه.
ورجل شيوعي خرج من التعذيب شبه مجنون، لكنه ظل يرفع لافتة رفضه حتى انتهت حياته.
لم يكن بينهم من يتصور أن كتاباً على رف، أو انتماءً دينياً، أو موقفاً سياسياً، يمكن أن يصبح جزءاً من حكاية تنتهي بالإعدام والغياب.
رحل النظام، وبقيت آثار جرائمه في البيوت والذاكرة.
أما محمد وعلي وكريم ولعيبي وإياد، فلم يعودوا إلى مدينة العمارة، ولم تُعرف لأسرهم قبور تحتضن رفاتهم.
وبقي الباب في بيت الغراوي شاهداً على صباح لم ينتهِ.
فبعض الأبواب لا تُغلق حين يغادر أصحابها؛ تظل مفتوحة على انتظار لا يعود منه أحد.
وبعض الأصوات لا تموت حين يصمت أصحابها؛ تظل تنادي من أعماق الذاكرة، كأنها تبحث عن أمٍّ تستطيع أن تجيب.
«يمّه يمّه الحكي لي .. راح اموت ».
ولم يكن هناك أحد يستطيع أن يقول لكريم: أنا هنا يا ولدي.
انتهت سنوات السجن.
وانتهى زمن النظام.
لكن ذلك الصوت ظل في قلب شنشل، وفي ذاكرة الأم، وفي حكاية البيت الذي لم يعد إليه أبناؤه.
خمسة أبواب للغياب.
وبيت واحد للانتظار.
وذاكرة لا تعرف كيف تُغلق أبوابها.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر