ثعالب أور والبعثات الأثرية…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
ليل أور الذي بقي وطوال الاف السنين معفراً بالأتربة والصمت والاعتقاد القائم بين الاعراب والقرى القريبة ان المكان مسكون بأرواح اقوام عاشوا هنا منذ دهور بعيدة ، يظهرون في الليل يمارسون طقوسا غامضة ، وبعضهم يخرج ليشم الهواء بعد ان اختنق لانهم دفنوه حيا في اقبية الموت التي كانت مثاوي للملوك والامراء والاغنياء والكهنة.
فلم تسكن المكان في ليله الطويل سوى الثعالب ( الواوي وأبي الحصين ) تنام في الحفر نهارا وتنهض في الليل تتجول في المكان فلا تجد ما تأكله فتذهب الى القرى القريبة واغلبها بيوت لعشائر آل غزي والبدور والحسينات ، وخلسة يدخلون الى اقنان الدجاج ويسرقونها بعد ان يعضونها من رقابها ويسرعون معها عائدين الى خرائب واطلال اور فلا يجرأ لأحد ملاحقتها حتى لو أحس بذلك وكأن الثعالب في غزوتها الليلية تعيد فصول مواسم الغزو لملوك السلالات ولكن بجنود آخرين غير جنود اوركاجينا وشولكي واور ــ نمو الذين يتم اعدادهم وتجهيزهم لغزو مدن ميسان وبلدة الدير ويصعدون شمالا الى حران والرقة ودير الزور في اعالي الفرات وربما تجتاز حمص وحماة وتصل الى حدود ارمينيا والاناضول .
لكن غزو الواوية في هذا الليل الجائع لا يتعدى ثلاثة او اربع فراسخ ثم تعود الى جحورها مختفية كل النهار.
وكأنها تؤنس في ظهاري الحر والقيض او تلك التي يجمدها برد شتاء المناطق البرية والقاحلة ، تؤنس أولئك النائمون منذ ازمنة العهود المجيدة الغابرة حيث لم يبق في المكان سوى الاطياف ، أما المقتنيات والتوابيت والقيثارات فقد تم سلبها كلها من قبل البعثة الاثارية التي ارسلتها جامعة بنسلفانيا الامريكية العالم السير ليوناردو وولي والآثاري ماكس مالون زوج الروائية الشهيرة ( آجاثا كريستي ) .
حملوا معهم وبمساعدة من امرأة الاستخبارات البريطانية في العراق المس (جرترولد بيل ) وبصناديق كبيرة كل المقتنيات الثمينة والكنوز التي لاتقدر بثمن والتي وجودوا اغلبها في مقابر المدينة المقدسة واقبية الموت النذري.
ومنذ انتهاء زمن البعثات الاثرية بقي المكان يعيش اهمال متعمد حتى مع اشارة وولي التي صرخ فيها هنا ولد ( ابراهام النبي ) مما منح المكان في الآونة الاخيرة اهمية بالغة وخصوصا للعالم المسيحي الذين يعتبرون البيت الذي ولد فيه النبي ابراهيم الخليل محجا.
وغير البعثات الاثرية كالحجيج ، كانت السفرات المدرسية مؤانسا رائعا لوحشة المكان وخبر سعيد للثعالب عندما تجيء سيارات الفولفو والدوج الخشبية وهي تحمل تلاميذ وطلبة السفرات المدرسية التي كان ينظم معظمها أساتذة مادة التاريخ ، وما أن تتحرك السيارات راجعة الى الناصرية أو السماوة ومدنهما القريبة حتى تخرج الثعالب لتبحث عن فضلات الاكل الذي يتناوله التلاميذ اثناء السفرة واغلب ما يتبقى هو فتات خبز واوراق بصل وفجل وقشور بيض مسلوق ، لكن سعادة تكمن في ما يتركه اعضاء الهيئات التعليمية والتلاميذ الاغنياء من طعام عندما يكون اغلبه عظام وبقايا لحم دجاج مشوي او مسلوق

اترك رد