في ذكرى رحيلها الـ40… فايزة أحمد كروانٌ أشجانا واختفى

منبر العراق الحر :

لقّبها الشاعر كامل الشناوي بكروان الشرق. والكروان ليس أجمل الطيور بمنقاره الطويل، وهو لا يحلق عاليًا.. بل يبني أعشاشه قرب المياه والمستنقعات.. كأنه يلوذ بالأرض ولا يحلم بالسماء. رغم ذلك له ترجيع جميل كأنه الحنين.. يتصاعد غناه تدريجيًا فيزداد حلاوة ثم ينخفض وهو يخفق بجناحيه هابطًا حتى يتلاشى شيئًا فشيئًا.

هكذا كانت فايزة أحمد تغني فتصعد بسلاسة وعذوبة بين المقامات، ترتفع من القرار إلى الجواب فلا تضل طريقها ولا تفقد المهارة والحلاوة والإحساس. تُغني “وهي سايبة إيدها” كأنها تعد الشاي “قاعد معايا وبنقسم اللقمه ونضحك.. وبنشرب شاي.. ميهمنيش مهما ان قالوا.. ماهو دول عوازلى وعزالوا”.

تغني كأنها تتسامر مع أمها على الأريكة وتتطلع إلى رقص الورد في الجنينة: “يامه يا هوايا يامه يا هوايا يامه.. الهوى بعتر ضفايري ايه قصده معايا يامه”. تغني كأنها نخلة تتمايل طربًا بين السماء والأرض: “أنا قلبي إليك ميال ومافيش غيرك ع البال”.

لا يبدو أنها تتعب إطلاقًا كأنها ساحرة ومسحورة، منومة داخل أغنيتها ويذوب في فمها ذلك الإحساس الغامض بالحب والحنين والشجن. تواصل ترجيع الكروان حتى تتلاشى النغمة بين شفتيها وتحط في أرض الواقع.

كان طه حسين مفتونًا بصوت الكروان في أماسي حديقته، وكتب عنه روايته الشهيرة “دعاء الكروان”.. ربما لأنه صوتٌ لا يُدرك بالأذن بل بالروح.. ولا يُعرف هل سر جماله في فرحه الغامض أم حزنه النبيل واستحيائه.

كأن الكروان كامنٌ في حنجرتها وفي تفاصيل حياتها المستوحشة. فهي وحيدة رغم أنها بين الناس والكاميرات. حزينة رغم النجاح والشهرة والمال. تسمعها فلا ترغب في أن تصفق لها، بل تأخذها في حضنك وتربت عليها وتواسيها.

صوتها مخملي مثل الفرو أو ريش الطيور. ناعم ودافئ ونابض بالحياة والحرارة. تغوص فيه ومعه دون خشونة ولا خدوش ولا وزوايا حادة. ترديدها بطعم حلوى المارشميللو لا رنين المارشات العسكرية. تسمعها تغني “قالوا لي هان الود عليه، ونسيك وفات قلبك وحداني”. فلا تعرف هل الأغنية تذوب فيك أم أنت الذي يذوب فيها؟!

وأحيانًا تأخذها السلطنة ويرفعها التجلي مثلما ينجذب الدرويش في رقصة لا نهائية فتظل تكرر إلى ما لا نهاية: “أنا مرة تهت في بحر الشوق.. والحب كان غالي عليّ.. لما ندهت وقلت يا شوق.. مالقتش جنبي مراكبية”. فهل هذا غناء غريقة أم فرحة بالغرق؟ كنتُ أسمعها فأتخيلها وحيدة في الليل في قارب يتهادى في بحر متلاطم.. وحين تنادي لا تجد منقذًا؟ فمن عاشت تواسي كل مجاريح الحياة لم تجد من يواسيها.

هي من واست كل الأمهات عن كل الصبر والتعب: “ست الحبايب يا حبيبة.. يا أغلي من روحي ودمي”، فصار غناها نشيدًا لكل الأمهات في العالم العربي. نشيدًا لا يربت على قلوبهن فحسب، بل يستحضرهن من الموت ويعيدهن ـ بسحر الغناء ـ إلى الحياة.

هشاشة وقسوة

لفرط هشاشتها، وقساوة الظروف معها، واغتراب، وغربة روحية… امتلأ صوتها بالتوتر وكتل أحاسيس متناقضة وارتباك، فهي في ذلك المعادل الأنثوي لصوت عبد الحليم حافظ، رغم الغضب المتبادل بينهما. لأن ما يجمعهما ليس قوة الصوت بل شدة الألم وصدق الإحساس.

كنتُ أسمعها تغني في الراديو: “يا أبو صوت ملالي فوق.. إحنا قتلنا الشوق” فيصور لي خيالي الطفولي أنها امرأة قوية تغلبت على حزنها وقتلت ذلك الشوق المرهق للقلب، ثم استغرقتُ زمنًا كي أستوعب أنها هي قتيلة الشوق!

قتلها حب وخذلان متكرر لأنها لم تملك قوة أم كلثوم ومهابتها، ولا ذكاء عبد الحليم حافظ المهني والاجتماعي، فظلت منبوذة في منطقة ارتياب، فعبد الوهاب يفضل عليها نجاة، وبليغ يفضل وردة. هي السورية في مصر، والمصرية في سوريا.

حبّها الكبير

أحبت وتزوجت خمس مرات منذ أن كان عمرها 13 سنة، من عازف كمان ومنولوجست وضابط سوري وموسيقار وضابط مصري، وقيل إن الأخير أهانها وضربها ثم ساومها على الطلاق مقابل سيارتها ومبلغ مالي كبير.

تبدو زيجاتها كأنها اختيارات طائشة لم تحسبها بالعقل ولا المنطق ولا الورقة والقلم وحساب البنك.. مع ذلك أثمرت أربعة أولاد.

 من المؤكد أن محمد سلطان وحده الذي أخلص لها وأضاف إليها، وظل ـ لعقود بعد رحيلها ـ يزور قبرها بانتظام ويهديه الورود، حتى توفاه الله أواخر 2022.

كان حب حياتها الكبير في زيجة استمرت 17 عامًا وانتهت قبيل رحيلها بسنوات قليلة، ثم عاد وساندها حين واجهت وحش المرض اللعين. قدم لها حبًا نقيًا مثاليًا، وشراكة ذهبية في أغنيات مثل: صعبان علي، إنساني يا حبيبي، دنيا جديدة، ياخد حبيبي يا بلاش، أحلى طريق في دنيتي، بكرة تعرف، حبيتك بداري عليك، خليكوا شاهدين، خلينا ننسى اللي فات، رسالة من امرأة، غريب يا زمان، العيون الكواحل، نقطة الضعف، مال عليّ مال، يا طير الشوق، أيوة تعبني هواك، وياما أنت وحشني.

أراد أن يقدم لها كل الألوان ويضمن لصوتها الخلود، مع ذلك غضبت فايزة لأمر ما، وهي دائمًا غاضبة بقلب أبيض. جريحة مهما بدت جارحة. لذلك فضت الشراكة، كعادتها حين تغضب ولا تُبالي، حتى عندما أثيرت المعارك بينها وبين وردة واشتعلت النميمة والكواليس والصحف، أدركتْ وردة بذكائها أنها أمام إنسانة جريحة، فذهبت إليها في المستشفى في مرضها الأخير، وحضنتها وبكت عليها.

بصمة مع الكبار

أحب الكبار صوتها، فغنت لعبد الوهاب: “ست الحبايب، هان الود، بصراحة، تراهني، تهجرني بحكاية”، لكنها سلطنت أكثر مع محمد الموجي: “أنا قلبي إليك ميال، تمر حنة، بيت العز، قلبي عليك يا خيّ، ليه يا قلبي ليه، يا الأسمراني، ويا ما القمر ع الباب”.

“ياما القمر ع الباب” وحدها حكاية وثورة في عصرها، وفي الوعي العربي، فها هي شابة تبادر وتغازل القمر وتعبر عن مشاعرها صراحة وتطلب من أمها المساعدة والنصيحة، وتستحثها كي تفتح له الباب وتعطف عليه. في زمن يُقمع فيه الإنسان العربي عمومًا والمرأة خصوصًا.

فمن المعيب أن تعلن امرأة عن مشاعرها بتلك الجرأة.. فكان من الطبيعي أن يصل الاحتجاج إلى البرلمان في مصر وفي الأردن واتهام جاهز بالخلاعة وحث البنات على الفجور، وتعالت أصوات رجال دين مثل الشيخ كشك.. رغم ذلك نسي الناس كل من حاربوها وعاشت الأغنية.

بدت فايزة أحمد الرواس المولودة في كانون الأول/ ديسمبر 1934 (أو 1930) والتي ودعتنا قبل أربعين عامًا في 21 أيلول/ سبتمبر 1983، كأنها في عجلة من أمرها فأرادت ترك بصمتها مع كبار عصرها: “يا حلاوتك يا جمال” من فريد الأطرش، “حبيبي يا متغرب” و”ماتحبنيش بالشكل دا” و”حسادك علموك” بليغ حمدي، “دوبني دوب” عبد العظيم محمد، و”أسمر يا اسمراني” كمال الطويل، “لا يا روح قلبي أنا” السنباطي وكانت تقريبًا هي الأغنية الأخيرة لملحنها ولشاعرها حسين السيد.

غنت حتى الدويتو القريب من روح المونولوج مع إسماعيل يس “ع الدور التالت طلعني”.. وغنت لمصر: الله الله ع المستقبل، وبحبك يا مصر.. جربت التمثيل مرات قليلة في أفلام مثل: “امسك حرامي” و”المليونير الفقير” و”منتهى الفرح”..

لا يهمها إذا كانت الأغنية شعبية أم عاطفية، طقطوقة أم قصيدة أم موشحًا، طويلة أم قصيرة، مصرية أو خليجية مثل “صوت السهارى”.. لا يهم حتى اسم الملحن وأسلوبه.. لأن صوتها كان يطغى على كل شيء. مع ذلك بدت سيئة الحظ في التكريم، وعند ذكر كبيرات الطرب يسقط البعض اسمها في بئر النسيان.

عاشت فايزة خلطة عاطفية من كل شيء، فرحت وبكت وضحكت.. خاصمت وغضبت غضب السنين.. وقيل إنها كانت تربط قماشًا على خصرها لتخفي نحول جسدها وهشاشته. لكنها لم تدرك أن أحزانها وأساها وهشاشتها وكل ما تنفسته في أغانيها كان يتحول شيئًا فشيئًا إلى وحش يسكن في داخلها ويلتهمها.

تألمت ألمها الأخير ووقفت مثل الكروان عند حافة الماء ثم أبصرت الراحة والأمان والسلام على الضفة الأخرى من البحر.

شريف صالح —النهار العربي

اترك رد