ماذا بعد “موت” الوعي السياسي الحاكم؟ ‏فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
‏ يؤكد خطاب الفكر السياسي الحديث على أن الوعي السياسي كائن حي يتطور بموجب الظروف الفاعلة في المجتمع، يتفاعل مع الحاضر، ويعمل على تطوير بناه الثقافية والإنسانية، والدفع نحو المستقبل في إنتاج استراتيجية تطوير المجتمع بكافة جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإثراء ما هو إنساني وحضاري وجمالي.
‏إذن الوعي السياسي المتولد عن فكر متفاعل مع الواقع ومستجداته، يشكل العنصر الأساس في مسار التطور التاريخي للتجربة السياسية وتفاعلها مع المجتمع، وإذا أخذنا التجربة السياسية العراقية كمثال لقياس مفهوم التكلس، أو المكوث في لحظة الماضي دون القدرة على الانتقال نحو المستقبل، نكتشف بيسر حقيقة موت الوعي السياسي للأحزاب والقوى السياسية العراقية التي تحكمت بمقدرات البلاد، وكانت سببا رئيس في ضياع الثروات والزمن وأحلام الإنسان العراقي.
‏خلال الشهر الأخير ومع ذروة تصاعد التطورات في المشهد الإقليمي العربي والعالمي وتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب لزعزعة الأوضاع بالعالم، تطل علينا الشخصيات السياسية العراقية، وهي قادة أحزاب وحركات سياسية، في تصريحات وكأنها تحاكي الواقع العراقي قبل عشرين سنة، أي أحداث العراق عام 2005 وما قبلها، فالسيد نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الأكثر مكوثا ونفوذا بالسلطة، يتحدث محذرا من عودة البعثيين وتهديدهم للنظام، وفي مناسبة لاحقة ينبه لوجود فتنة طائفية قادمة أشبه بمقتل الإمام علي والإمام الحسين، كأنها نسخ مكررة مرت عليها عشر أو عشرون سنة مضت!؟
‏بينما تحدث السيد صالح المطلك زعيم جبهة الحوار الوطني موجها كلامه بالنقد للأحزاب التي لا تستطيع بناء الدولة كونها فاشلة، لأنها جاءت إلى السلطة على دبابة أمريكية، وتلك وأبرز أسباب الخلاف الذي نشأ قبل عشرين سنة بين الأحزاب الشيعية والسنية! وإذا انتقلنا إلى حديث السيد إياد علاوي زعيم حزب الوفاق الوطني وأول رئيس وزراء عراقي بعد 2003,، نراه يكرر ذات الخطاب عن أحقية حزب البعث في الحياة السياسية، ويتذمر من اجتثاث البعث، ويفخر بتاريخه البعثي!
‏لا جديد، بل أسطوانات كلام تدور منذ عشرين سنة ومع كل مرحلة تسبق الانتخابات، ثرثرة سياسية ممجوجة كرهها الشعب، تترشح عن منظومة سياسية حاكمة بثوابت لا تقبل الحركة والتفاعل مع متطلبات المجتمع، الذي يقابلها صراحة بالرفض والنقد!
‏دائرة مغلقة على طلب المنافع والنفوذ والمصالح الشخصية والحزبية بشراهة لا تتوقف، ولا تتأثر بالأحداث الخارجية المحيطة بالعراق، والمؤثرة فيه بنحو مباشر!؟ بل تكاد تقمع وتتهم بالخيانة كل رأي مغاير، ويدعو لتجاوز الركود والفساد والانطواء، وتكلس الموقف السياسي المعادي للآخر المختلف.
‏عشرون سنة مجدبة مرت على التجربة السياسية العراقية، وهي تدور في دائرة لا تتسع سوى لمزاج الطبقة السياسية المتنفذة وأجندات دول الجوار، تجربة لم يحصد منها الشعب سوى هامش من الحرية، صار يضيق رويدا رويدا في قرارات مصادرة لحرية الرأي، أو تشريعات تعمل بهوى طائفي أو مصالح الأحزاب والأشخاص ومحاورها السياسية والعقائدية، يقابلها تخلف هائل في أساليب الإدارة والخدمات والمعيشة وانعدام الإحساس بالمستقبل، إضافة إلى توغل الفساد في جميع مفاصل الدولة.
‏لا يستطيع أي مسؤول عراقي أن يتحدث عن تطور أو واقع مستقبل عمل مؤسسته أو وزارته لمدى ثلاث أو خمس سنوات مقبلة!؟ غياب النوع سواء في الخطاب السياسي أم إنتاج الوعي لدى السلطات في تجاوز حالة الفشل والانهيار، وإذا ظهر نشاط حكومي في اتجاه بنائي أو تحريك الساكن في العمل والإنتاج، نراه يواجه بالاتهام والتسقيط وشخصنة الأدوار، والجميع منفصل عن الجميع والحاضر، ويمسك بالماضي ومنهج “المحاصصة” الذي تأسس على خطأ قبل اثنتين وعشرين سنة.
‏إن موت الوعي للسلطة السياسية الحاكمة، يصطحب معه موتاً للنظام السياسي والإداري والأمني، وهنا يبلغ المجتمع الفاعل مرحلة الاحتجاج ثم الثورة وإسقاط النظام، بكونه أصبح معاديا ومقيدا لحركة المجتمع وتطوره، وهذا ما تتحدث به القوانين الاجتماعية، وما سوف يحدث إذا استمر الوضع على ماعليه من ركود، وتجميد الوعي السياسي

اترك رد