الملف الـ “سوراقي”الشائك وسلسلة الارتدادات والانتكاسات الكبرى …. أحمد جود الخير

منبر العراق الحر :

بداية أقول إن ما ستقرأونه ليس انتصارا ولا تعصبا لأحد ، كما انه ليس تأييدا أو تحيزا ضد أحد ،حاشا وكلا بقدر ما هو توصيف وتحليل لمجريات الأحداث على الارض ، فعندما تتصدع رؤوسنا يوميا بالاسطوانة المشروخة إياها ، وبما يشاع في مواقع التواصل وبعض وسائل الإعلام العراقية والعربية وزعمها بأن النظام السوري الصائل الذي أعقب سقوط النظام السوري الزائل ، واتهامه بأن نظام عميل لأمريكا والكيان الصهيوني ، فمن حقنا جميعا وبصرف النظر عن خلفياتنا السياسية والقومية والطائفية ،أن نطالب مطلقي تلكم التصريحات ، ولا أريد أن أقول الشائعات لأنني سأكون حينئذ منحازا في وقت اربأ فيه بنفسي عن التحيز والانحياز ، نطالبهم بأن يفسروا لنا فورا أسباب احتلال جبل الشيخ ،وضم هضبة الجولان الى الكيان والى الابد على حد وصف النتن جدا ياهو ، كذلك تفسير أسباب اجتياح القوات الصهيونية لـ 600 كم داخل الاراضي السورية ، وعليهم أن يشرحوا لنا موجبات التوغلات الصهيونية المستمرة وقد وصل بعضها الى القنيطرة ومناطق من درعا مع التهديد بقصف أي وجود عسكري سوري في محافظات الجنوب السوري” درعا ، السويداء ، القنيطرة ” وتحويلها الى مناطق منزوعة السلاح ،علاوة على مواصلة القصف الوحشي البري وشن عشرات الغارات الجوية على العديد من المعسكرات و المطارات والقواعد العسكرية السورية بعد سقوط الاسد بزعم أنها مواقع تابعة للاسد والكل يسأل “هل معنى ذلك بأن الكيان المسخ اللقيط سيقصف تاليا معظم القصور الرئاسية بمن فيها ،اضافة الى قصفه جميع دوائر الاستخبارات والمخابرات والأمن العامة والمخافر الحدودية مستقبلا وبنفس الذريعة الواهنة ولاسيما وأن هذه المؤسسات قد أصبحت تابعة بالكامل الى النظام السوري الجديد وبما لا يبرر أي اعتداء عليها البتة لأنه سيكون بمثابة اعتداء على السيادة السورية ، وبما لا يمكن تفسيره ولا تبريره وبأي حال من الأحوال سوى بأن الكيان اللقيط بات يخشى جديا من النظام السوري الحالي أكثر من خشيته من نظام الاسد المقبور والذي سبق له وأن سلم هضبة الجولان الى الكيان على طبق من ذهب قبل اجتياحها من قبل قوات العدو يوم كان حافظ الاسد ،وزيرا للدفاع وذلك من خلال البيان العسكري (رقم66) الذي أذيع صبيحة السبت في10 / 6/ 1967في عهد الرئيس السوري الاسبق نور الدين الاتاسي ، بعيد أيام على احتلال الكيان الفاشي لكل من سيناء المصرية والضفة الغربية وبما ظل ويبقى وصمة عار في جبين عائلة ” الوحش ” المسماة زورا وبهتانا بـ الاسد ، والمنتسبة كذبا وادعاء الى طائفة العلويين لأن عائلة الوحش ترجع أصولها الى أقلية النصيرية الباطنية وهي من بقية الاسماعيليين الحشاشيين النزارية ولها تاريخ حافل من التخادم وتبادل المنافع مع الاستدمار الفرنسي وهو الذي وصفها بالعلوية بدلا من النصيرية لتسويقها عربيا واسلاميا !

وعودا الى بدء أقول بأن الكل يتساءل اليوم ويردد سؤالا منطقيا ليس دفاعا عن الحكومة السورية المؤقتة ولكن انصافا للحقائق على الارض بعيدا عن بغضك أو حبك لهذا النظام أو ذاك ، ترى لو كان النظام السوري الجديد حقا هو عميل للكيان الصهيوني بالفعل على زعم الاسطوانات المشروخة التي أدمنت قذف الأعراض والطعن بالانساب والاحساب لغرض التسقيط ، أو الاتهام بالعمالة للكيان للغرض نفسه عندما لا تجد ما يسعفها لخدمة أهدافها التسقيطية ،فعلام يواصل الكيان المسخ قصفه الوحشي شبه اليومي ؟ لماذا يدمر ما تبقى من المعدات والقواعد والمصانع والمخازن والمطارات العسكرية السورية ؟ لماذا يواصل تهديداته وقضمه لمزيد من الاراضي السورية وتلويحه باحتلال المزيد والمزيد منها بزعم الحفاظ على الامن القومي الصهيوني ، والدفاع عن الاقلية الدرزية ونصفها موجود داخل الأراضي السورية المحتلة ؟!

 

أحداث ووقائع

حدثان كبيران أطلا على المنطقة بتوقيت لافت وعلى غير العادة في آذار / 2025 ،أولهما مرور الذكرى الـ 55 لما يعرف باتفاق الحكم الذاتي لكرد العراق الموقع في 11 /آذار / 1970 بين الحكومة العراقية برئاسة الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ، وبين الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني ،لتمثل الاتفاقية يومئذ علامة فارقة كان لها الدور الأبرز في انهاء سنين طويلة من الحرب الضروس ونزع فتيلها بين قوات البيشمركة الكردية “وهي كلمة مؤلفة من مقطعين – بيش- ومعناها أمام،و- مرك – وتعني تحدي الموت ” وبين الجيش العراقي بعد اعتراف حكومة بغداد المركزية بحقوق الشعب الكردي ومنحه الحق بادارة محافظاته الشمالية الثلاث ” دهوك ، أربيل ، السليمانية ” ذاتيا ، اضافة الى الإقرار بحقه بالتحدث فضلا على صياغة مناهجه الدراسية بلغته الكردية الأم ،مقابل إرساء دعائم السلام وتفعيل وقف دائم لإطلاق النار بين الجانبين.

لتأتي الذكرى السنوية للاتفاقية الآنفة متزامنة وبعد يوم واحد فحسب من توقيع اتفاقية مماثلة بين الحكومة السورية برئاسة احمد الشرع ، وبين مظلوم عبدي، رئيس قوات سوريا الديمقراطية ” قسد ” في 10 آذار/ 2025، تتضمن ثمانية بنود ، تهدف الى إدارة المرحلة الانتقالية ومواجهة “فلول الأسد”، وسط هواجس كردية ولاسيما في العراق من مغبة المساس بالحقوق الثقافية والقومية الكردية، علاوة على الخشية من انحسار وفقدان مزية الإدارة المحلية للكرد بالتدريج على رقعة سيطرتهم الجغرافية ،وتراجع سطوتهم في مناطق نفوذهم في الرقة، وريف دير الزور، والحسكة ، لصالح الحكومة المركزية في دمشق ، ليشهد الجنوب السوري اتفاقا آخر مع الحكومة السورية لا يقل أهمية عن سابقه ، ولكن مع فصائل درزية مسلحة هذه المرة في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية .

 

اتفاقات سورية وهواجس عراقية

من الأمثال الكردية الجميلة ذات المغزى قولهم :” لا نستطيعُ سَلخَ جِلدَيْنِ من دُبٍّ واحدٍ” وبالقياس على المثل فإن بنود الاتفاق الثمانية بين قسد والحكومة السورية انضوى تحتها وكان من بينها ما أراح الطبقة السياسية الكردية في العراق وطمأنها الى حد بعيد ليحلق بها عاليا الى أفق أرحب ، ولكن وفي ذات الوقت فإن بين البنود ما أقلقها وأثار هواجسها جديا،خشية أن تغري تلكم البنود السورية جهات سياسية عراقية مختلفة وتدفعها لتطرح ما يناظرها في قابل الأيام ولاسيما مع قرب موعد الانتخابات النيابية .

ولا شك بأن بند وقف اطلاق النار، كذلك رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري، وضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية والمؤسسات الدولية بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية ،ومثله بند توصيف المجتمع الكردي بأنه مجتمع أصيل تضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وحقوقه الدستورية ، ولم يبتعد البند الآخر الذي ينص على ضمان عودة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية عن سابقه ،وكلها بنود مطمئنة لكرد سوريا والعراق على حد سواء .

إلا أن بنودا أخرى كانت بمثابة “سلخ جلدين من دب واحد ،وفي آن واحد ” وبما يمثل حجر عثرة ،أو بمثابة عصا غليظة حشرت في دولاب الحلم الكردي الازلي بدولة قومية كبرى ولو بعد حين، وبما أثار حساسية لم تغب عن أنظار المراقبين للمشهد السياسي العراقي برمته يأتي في صدارتها” بند دمج المؤسسات المدنية والعسكرية كافة في شمال شرق سوريا ضمن إدارة المرحلة الانتقالية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز” ولعلها المحاور الحساسة التي تمثل عقدة المنشار وقطب الرحا الذي تدور حوله معظم الخلافات والمماحكات السياسية القائمة بين حكومة اربيل وحكومة بغداد على قدم وساق وعلى مدار سنين ، فلا حل البيشمركة أو دمجها ضمن صفوف الجيش العراقي واردة في حسابات حكومة اربيل على الاطلاق، ومثلها تسليم حقول نفط كردستان الذي سبق وأن وقّعت بشأن تصديره عبر ميناء جيهان التركي،اتفاقية نفطية في نيسان 2023 تنص على تصدير 400 ألف برميل يوميًا عبر شركة النفط الوطنية “سومو” مع فتح حساب بنكي خاص بكردستان لتُحوَل إليه واردات بيع النفط على أن يخضع لرقابة ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وفقا لموقع الطاقة، كذلك الحال مع المنافذ والمعابر الحدودية وأبرزها معبر ” إبراهيم الخليل” مع تركيا، وعلى منوالها معابر “حاج عمران، وباشماق ، وبرويزخان” مع ايران، ومثلها المطارات في كردستان “مطار اربيل، ومطار السليمانية “فكلها محاور غير قابلة للتسليم الى الحكومة الاتحادية في بغداد لتديرها منفردة ،إنها نقاط حساسة غير قابلة للنقاش كرديا، إذ سبق وأن اصطدم كل ما طرح أو اقترح بشأنها ليتحطم على صخرتها مرارا وتكرارا ، وكلها بمثابة خطوط حمر لا يمكن المساس بها، وما الإصرار على اقتباس ، أو صياغة بنود على غرار بنود اتفاقية قسد – الحكومة السورية مستقبلا ما من شأنه أن يمكن حكومة بغداد من السيطرة على حقول النفط ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية والسيطرة على المعابر الحدودية والمطارات في كردستان،سوى فتح لـ “صندوق باندورا”عراقيا ،ولاغرو بأن اتفاقية قسد – الحكومة السورية الجديدة ، قد شكل الهزة الارتدادية الأولى العابرة للحدود المشتركة بين البلدين والممتدة بطول أكثر من 599 كم !

وليس من نافلة القول،التذكير بأن واحدة من أهم أسباب انهيار اتفاق الحكم الذاتي لكرد العراق الموقع في 11 /آذار / 1970، وبعد مرور أربع سنوات فقط على توقيعه وتحديدا في آذار /1974، قد جاء على خلفية تفاقم الخلاف على حقول نفط كركوك المشفوع بتطبيق سياسة التعريب في كل من محافظة كركوك ،ومدينة خانقين الغنيتين بالنفط بخلاف الاتفاق المبرم بين الجانبين، ليجهض الاتفاق وتشتعل الحرب بين الطرفين تارة أخرى في ذات العام، وبما لا يستبعد تكرار السيناريو ذاته سوريا في حال أخل أحد أو كلا الطرفين الموقعين على الاتفاقية الأخيرة بجل بنودها أو ببعضها بوجود العديد من المحرضات الدولية والاقليمية التي تعمل تشمر عن ساعد الجد لإجهاضه بزعم تعارضه أو تقاطعه مع مصالحها في عامة المنطقة .

 

اتفاق الأقلية الدرزية هزة أخرى

ليس الاتفاق المبرم بين قسد والحكومة السورية،وحده من تمخض عن هزات ارتدادية في العراق، الاتفاق بين فصائل درزية في السويداء والحكومة السورية بدوره كانت له ردود أفعال مشابهة إذ سرعان ما انتقلت عاصف الاتفاق الغبارية بين ” حركة رجال الكرامة” و” أحرار الجبل”و “لواء الجبل” والحكومة السورية لتنظيم الأوضاع القانونية لفصائل مسلحة عراقية تبع للاقليات في مناطق سنجار وسهل نينوى تتمتع بوضع مماثل لنظيرتها الدرزية في سوريا .

اتفاق الدروز وعددهم يربو على 700 الف في سوريا، تضمن ومن جملة ما تضمنه تنظيم الأوضاع الإدارية والأمنية في محافظة السويداء بحضور الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، وبما يسمح لأبناء السويداء بالتوظيف في الدوائر المدنية والتطوع في وزارة الدفاع وأجهزة الأمن العام، مقابل السماح بدخول قوات الأمن السوري إلى مناطق السويداء كافة وتسلم المخافر والمواقع الأمنية .

الفصائل المسيحية المسلحة في العراق وأبرزها”كتائب بابليون” بزعامة ريان الكلداني التي تأسست عام 2014 لطرد تنظيم داعش ، وتسيطر على سهل نينوى تتشابه في جوانب عدة مع الفصائل الدرزية السورية ،علما بأن أعداد المسيحيين في العراق تقارب الـ 400 الف، كذلك الحال مع الفصائل الايزيدية المسلحة التي تشكلت لنفس الغرض وعدد الايزيديين في العراق أكثر من 500 ألف بحسب منظمة يزدا ، وأبرزها “وحدات مقاومة سنجار” وهي قوة ايزيدية تشكلت في آب 2014، كذلك “لواء 74 الحشد الايزيدي” و ” قوات حماية ايزيدخان” .

هذه المنظمات ومع تراجع نفوذ تنظيم “pkk” التركي المعارض الذي ينتشر في العديد من المناطق الشمالية منذ عقود طويلة وبالأخص بعد أن وجه زعيم التنظيم عبدالله أوجلان ، في الـ 27 من شباط دعوة لإلقاء السلاح ، تعيش أوضاعا مشابهة للوضع الدرزي في سوريا وبما يفرض واقعا جديدا واتفاقا مماثلا تتسلم بموجبه القوات العراقية مناطق نفوذ الفصائل لتبسط سيطرتها الامنية بغية حمايتها عليها مقابل دمج تلكم الفصائل أو تفكيكها وبما يتوقع طرحه من قبل بعض الجهات السياسية للتعامل مع هذا الملف في قابل الأيام .

ترقب مشوب بالحذر

لا غرو بأن من يتابع المشهد عن كثب سرعان ما يتلمس مدى إنقسام الشارع العراقي على المستويين الشعبي والحكومي حيال التطورات السورية المتلاحقة ، وبما بدا جليا للعيان عبر تصاعد نبرة الخطاب وتصاعد وتيرتها في معظم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وبما دفع السلطات العراقية إلى إصدار جملة من التوجيهات والتعليمات التي توعدت بإنزال أقصى العقوبات بحق من يتناول الشأن السوري على وسائل الإعلام المحلية في أعقاب البلبلة والفوضى الرقمية الهائلة التي أفرزتها مجمل الأحداث السورية ،وبما أفرز محاولة جهات منفلتة اقتحام السفارة السورية في بغداد ، قابلها شروع جهات أخرى بالاعتداء على بعض المقيمين السوريين في العراق، ولاسيما بعد أحداث الساحل السوري الاخيرة كذلك اتفاق قسد وبعض فصائل السويداء مع حكومة الشرع ، وبما دوى رجع صداه في الداخل العراقي من شماله وحتى جنوبه لتترواح ردات الفعل الجماهيرية بين الانزعاج والارتياح ، ليذهب بعضهم إلى المطالبة بإعادة إحياء موضوعة الفيدرالية ، والشروع بفكرة الاقاليم العراقية، وبما يتطلب رسائل تطمين عاجلة الى الخارج والداخل لتفويت الفرصة على المتصيدين بالماء العكر قبل أن تتفاقم الأمور سريعا والعمل على اعادة العلاقات مع الجمهورية السورية بدلا من تجميدها أو قطعها فليس بالضرورة أن كل تغيير في سوريا يراد منه العراق والعكس صحيح ولكل دولة سيادتها وشؤونها الداخلية وخصوصيتها واجبة الاحترام .

 

خاتمة ربع عائمة ونصف غائمة !

ختاما ألفت عناية الجميع الى أن التحليلات الموثقة، كذلك التصريحات السياسية المسؤولة ، وعلى منوالها التوصيفات الإعلامية الدقيقة مهمة جدا في هذا التوقيت العصيب الذي يعصف بالأمة جمعاء ،ولا داعي لبث واطلاق مزيد من التصريحات المتشنجة ، والأقاويل المجحفة ، والشائعات المزعزعة للاستقرار والتعايش السلمي والأمن المجتمعي بين المكونات على مستوى التوصيف من جهة ، والتحليل من جهة أخرى لأنها ستزيد الشارع ارتباكا وطائفية وفتنة ولن تحل عقدة ولا مشكلة قط ، ولاسيما مع المجاهرة علانية وعلى رؤوس الأشهاد صهيو – امريكيا بالسعي الحثيث لتشكيل شرق أوسط جديد “سيصيب بغباره وبزلازله بنيرانه وسيوله الجارفة الطوائف والقوميات في عامة المنطقة برمتها ولن يسلم منها أحد إلا بالتعاضد والتآخي والتعايش وتناسي الخلافات وغض الطرف عنها وإلا فإن القادم القاتم والغائم والعائم سيسرالعدى، ويغيظ الصديق !!” وفقا لخارطة المؤرخ الأمريكى البريطانى برنارد لويس، التي سبق له وأن طرحها عام 1980 وتبناها البنتاغون لتقسيم المقسم الذي قسمته اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 لصياغة شرق أوسط جديد يحلمون ببنائه على أنقاض شرق أوسط قديم لم يعد قائما في خرائطهم المستقبلية الكولونيالية والامبريالية والجيو سياسية وتتضمن دولتين عربيتين سنيتين في حلب ودمشق ، علاوة على دولة علوية في منطقة الساحل السوري، اضافة الى دولة درزية في الجولان والجنوب السوري تمتد الى شرق الاردن وبعض الاراضي اللبنانية لتضم أو تتحالف مع دويلة الكيان الصهيوني.

كذلك الحال مع خريطة مخطط الخبير العسكري الأمريكي رالف بيترز، والتي نشرتها مجلة “أرمد فورسز جورنال” الامريكية العسكرية عام 2006 ، وأطلق عليه مصطلح “حدود الدم” ليبين من خلاله خارطة الشرق الأوسط الجديد مستقبلا بما فيها مصطلح “لبنان الكبير المتوسطي “الذي يضم الساحل السوري ” طرطوس واللاذقية.

وأذكر الجميع بما فعله الزعيم الوطني المحنك فارس الخوري ، وهو مسيحي بروتستانتي يوم أبلغه قائد الجيش الفرنسي بعيد احتلال سوريا بأن فرنسا قد احتلت الشام لحماية مسيحيي الشرق من حكم المسلمين فما كان من الخوري الذي أدرك بفطنته وبحنكتة وبوطنيته أبعاد المؤامرة الخبيثة ، ومراميها الجهنمية لدق أسفين الخلاف بين المكونات السورية ،وتمزيق النسيج المجتمعي ، ليسهل استعباد الجميع عملا بسياسة ” فرق تسد ” إلا أن اعتلى منبر الجمعة في الجامع الأموي مخاطبا الجموع الحاشدة بالقول ” إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله ..” ، لم يقل الخوري يومها “أهلا وسهلا بالفرنسيين المسيحيين وقد جاؤونا محررين لا فاتحين بعد قرون من حكم المسلمين !” ..لم يقل الخوري” يامرحبا يامرحبا لقد حللتم أهلا أيها الفرنجة ونزلتم سهلا !” لم يقل الخوري ” يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ..نحن الضيوف وأنت رب المنزل !” لم يشنع الخوري على أصدقائه ، على جيرانه ، على زملائه ، على أبناء جلدته ،على شعبه من بقية المكونات والاقليات متهما إياهم – وكما يصنع بعض سياسينا اليوم من أجل مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة ، زيادة على تحقيق مصالح من يأتمرون بأوامرهم وينفذون أجنداتهم ، ويعملون لصالحهم من خلف الحدود ومن أمامها – بأن الطائفة الفلانية عميلة للعثمانيين، ولا الطائفة العلانية من أحفاد الأمويين والعباسيين ، ولا الأقلية الفستكانية من ذيول الصهاينة والاميركان الحاقدين وهلم جرا ..لا لم يفعل ذلك ، لأن أمثال هذه الإتهامات الكيفية والمزاجية التي تطلق جزافا سرعان ما يتلقفها الشارع يرددها كالببغاء ما من شأنه أن يزيد من الطين بلة ، ويصب أطنانا من الزيت على النيران المشتعلة التي يروم الخيرون إطفاءها ، ويواصل المصلحون الليل بالنهار لاخمادها ، والفتنة نائمة ،لعن الله تعالى من أيقظها …أودعناكم اغاتي

 

اترك رد