منبر العراق الحر :
تتصاعد المواجهة في البحر الأحمر بين الولايات المتحدة والحوثيين، في ظل حملة جوية مكثفة تقودها واشنطن بهدف تحجيم قدرات جماعة الحوثيين المسلحة التي تهدد الملاحة الدولية. ومع ذلك، يبدو أن الحوثيين لا يزالون قادرين على فرض قواعد اللعبة الجديدة من خلال معادلاتهم الخاصة، ليس فقط في ساحة البحر الأحمر، بل أيضاً في مناطق أبعد، كما تجلّى في استهدافهم الأخير لإسرائيل بصاروخ بعيد المدى، ما أدى إلى إطلاق صافرات الإنذار في 270 موقعاً، واستهداف مطار بن غوريون بصاروخين باليستيين من نوع ذو الفقار وفلسطين 2، ويقع مطار بن غوريون الدولي على مشارف تل أبيب في إسرائيل، وهذا ما بث الرعب بين المستوطنين الذين هرعوا إلى الملاجئ.
في تطور آخر، استهدف الحوثيون حاملة الطائرات الأمريكية “هاري ترومان” بأكثر من 27 هجوماً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، واسقاط طائرة اف 16 امريكية، وإصابة جنود أمريكان على ظهر فرقاطة. في خطوة عكست مدى تطور قدراتهم العسكرية، ومدى تعقيد المواجهة التي تواجهها الولايات المتحدة.
هذا التحول يؤكد أن الجماعة، التي بدأت كقوة محلية، باتت تمتلك إمكانات عسكرية واستراتيجية تجعلها لاعباً إقليمياً مؤثراً.
ورغم الضربات الأمريكية المكثفة، لا تزال قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات هجومية بعيدة المدى قائمة، ما يثير تساؤلات حول مدى فعالية الحملة العسكرية في تقويض نفوذهم.
فهل تستطيع الولايات المتحدة، عبر القصف الجوي وحده، إسقاط الحوثيين كورقة إيرانية في معادلة التوازنات الإقليمية؟ أم أن الجماعة باتت تمتلك من القدرات ما يكفي لتحصين موقعها، سواء في اليمن أو في المعادلة الجيوسياسية الأوسع؟
*التصعيد وتأثيره على صنع القرار الامريكي*
أدى الهجوم اليمني إلى إدخال البحر الأحمر في حالة حرب مفتوحة بين القوات الأمريكية والجماعات اليمنية المسلحة، مما يثير مخاوف من توسيع نطاق الصراع ليشمل دولاً أخرى مثل إيران ودول الخليج. هذه المواجهة لا تتعلق فقط بالتوتر بين أمريكا واليمن، بل تحمل أبعاداً دولية خطيرة، نظراً لأن البحر الأحمر يُعد ممراً رئيسياً للتجارة العالمية، حيث تمر من خلاله 12% من حجم التجارة البحرية العالمية.
الولايات المتحدة، التي بدأت بردود فعل عسكرية محدودة تحت إدارة بايدن، انتقلت إلى استراتيجية “الضربة الساحقة” بادارة ترامب مستهدفة مواقع عسكرية يمنية بهدف تحجيم قدراتها الهجومية. ولكن هذه الاستراتيجية قد تواجه تحديات كبيرة، حيث أظهرت الجماعات اليمنية قدرتها على تنفيذ هجمات متطورة وواسعة النطاق، مما يضع أمريكا أمام خيارين صعبين: التصعيد المستمر أو البحث عن حلول دبلوماسية.
وفي حدث مفاجئ يوم أمس الاثنين المصادف 24 مارس 2025، كتب جيفري غولدبرغ ” رئيس تحرير مجلة ذي أتلانتيك” مقالا بعنوان “إدارة ترامب أرسلت لي عن طريق الخطأ خططها الحربية”، موضحا أنه تمت إضافته إلى مجموعة دردشة على سيغنال، ضمت مسؤولين في الأمن القومي. وأضاف أن المراسلات تضمنت رسالة بعثها “بيت هيغسيث” وزير الدفاع الامريكي تحتوي على تفاصيل بشأن الهجمات على اليمن.
تكشف حادثة تسريب خطط الحرب الأميركية عن طريق الخطأ عن ارتباك داخل إدارة ترامب، مما يثير تساؤلات حول مستوى الانضباط والسرية في عملية صنع القرار الأمني الامريكي. في المقابل، تتفاقم التوترات الإقليمية مع استمرار الحوثيين في استهداف إسرائيل وسفنها في البحر الأحمر، بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي عنيف ضد غزة.
هذا التصعيد المتبادل يعكس تداخلاً معقداً بين الأجندات الدولية والإقليمية، حيث تستخدم الأطراف المتصارعة الأزمة لتحقيق مكاسب استراتيجية، في ظل غياب أي أفق لحل سياسي حقيقي.
*هل تستطيع اليمن مواجهة أكبر قوة عسكرية في العالم؟*
من الناحية النظرية، لا يمكن مقارنة القدرات العسكرية لليمن بالآلة الحربية الأمريكية التي تمتلك حاملات طائرات متطورة، ومدمرات، وغواصات هجومية نووية، وأنظمة دفاعية متكاملة. ومع ذلك، فإن الوقائع على الأرض تظهر أن القوات اليمنية استطاعت تطوير أسلحة فعالة، واكتساب خبرة قتالية كبيرة خلال أكثر من تسع سنوات من الحرب.
القدرة اليمنية على تنفيذ هجمات متزامنة، واستغلال نقاط الضعف في الأنظمة الدفاعية الأمريكية، قد تغير قواعد المواجهة. فحتى لو تمكنت أمريكا من صد الهجمات، فإن التكلفة الاقتصادية والسياسية لهذه العمليات ستكون مرتفعة للغاية، مما قد يدفعها إلى مراجعة استراتيجيتها في المنطقة.
*دور إيران وتأثير الصراع على الخليج*
تعتبر إيران طرفاً رئيسياً غير مباشر في هذا الصراع، حيث ينظر إليها الغرب كداعم استراتيجي للقوات اليمنية. ورغم أن إيران تتجنب التدخل المباشر، إلا أنها قد تزيد من دعمها اللوجستي والتقني في حال استمرار التصعيد الأمريكي. هذا السيناريو قد يؤدي إلى فتح جبهات جديدة في الخليج، مما يجعل القواعد الأمريكية في المنطقة أهدافاً محتملة للهجمات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن دول الخليج تجد نفسها في موقف صعب، إذ أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى استهداف أراضيها، خاصة مع وجود قواعد عسكرية أمريكية في الإمارات والبحرين وقطر والكويت. هذا يضع هذه الدول أمام تحدي موازنة علاقتها مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته، تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع.
*الأهداف الأميركية من الحملة العسكرية*
تستهدف الضربات الأميركية ضد مواقع الحوثيين عدة أهداف استراتيجية، تشمل منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومراكز القيادة والاتصال، ومستودعات الذخيرة. ورغم أن واشنطن تبرر عملياتها بالسعي إلى تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر، إلا أن الأرقام تكشف أن التجارة الأميركية المتأثرة لا تتجاوز 3-4% فقط من إجمالي حركة التجارة في المنطقة، في حين أن أوروبا هي المتضرر الأكبر، إذ يمر نحو 40% من تجارتها عبر البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التأثير الكبير على مصر، التي باتت السفن تتجه بعيداً عنها عبر طريق رأس الرجاء الصالح.
هذا الواقع يضعف الحجة الأميركية بالدفاع عن مصالحها المباشرة، كما يجعل ادعاءها بحماية المصالح الأوروبية محل تساؤل، خاصة وأن واشنطن تمارس ضغوطاً على أوروبا للتنازل عن أراضٍ أوكرانية لصالح روسيا، مما يعزز النفوذ الروسي ويجعل موسكو أشبه بنمر يهدد القارة العجوز. ومع ذلك، تبقى هناك أبعاد استراتيجية أخرى خلف هذه الضربات، تتجاوز مجرد تأمين طرق التجارة.
1. *تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة*: تسعى واشنطن إلى تقويض قدرة طهران على استخدام الحوثيين كأداة ضغط إقليمية، سواء في الملف النووي أو في مواجهة إسرائيل وحلفائها.
2. *فرض قواعد اشتباك جديدة*: تهدف الحملة إلى وضع خطوط حمراء أمام أي محاولات لتوسيع نفوذ الحوثيين أو تغيير قواعد اللعبة في البحر الأحمر.
3. *تعزيز الردع الأميركي*: تأتي الضربات أيضاً كرسالة للخصوم الآخرين، مثل روسيا والصين، بأن واشنطن لا تزال القوة المهيمنة على الممرات البحرية الاستراتيجية.
*هل تنجح أميركا في إسقاط ورقة الحوثيين من يد إيران؟*
رغم الضغط العسكري الأميركي، إلا أن هناك عدة عوامل تعقد إمكانية إسقاط ورقة الحوثيين من يد إيران، منها:
1- *استقلالية الحوثيين المتزايدة*: على عكس حزب الله اللبناني الذي يرتبط بشكل عضوي بإيران، أصبح الحوثيون أكثر اعتماداً على قدراتهم الذاتية، ما يجعل نفوذ طهران عليهم غير مطلق.
2- *المرونة الاستراتيجية لإيران*: إيران بارعة في التكيف مع الضغوط الدولية، وقد تستخدم الحوثيين كورقة مساومة في مفاوضات الملف النووي، أو لتخفيف الضغط على حلفائها الآخرين مثل حزب الله في لبنان.
3- *الديناميات الإقليمية*: بقاء التوترات الإقليمية، خاصة مع إسرائيل والولايات المتحدة، سيجعل الحوثيين أداة ضرورية لطهران في معركة النفوذ ضد الغرب وحلفائه الخليجيين.
*السيناريوهات المحتملة*
1. *تصعيد عسكري أمريكي واسع النطاق*: قد تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات عسكرية أكثر قوة في محاولة للقضاء على التهديدات اليمنية، ولكن هذا الخيار قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع ليشمل إيران وربما أطرافاً أخرى مثل روسيا رغم هناك توافق غير مضمون بينها وبين امريكا بخصوص اوكرانيا.
2. *استمرار المواجهة دون حسم*: قد تطول الحملة الأميركية دون تحقيق نتائج حاسمة، حيث يتمكن الحوثيون من امتصاص الضربات والعودة لمهاجمة السفن والمصالح الغربية، مما يجعل الوضع أقرب إلى استنزاف متبادل.
3. *تدخل إيراني غير مباشر أو مباشر*: إذا تعرضت اليمن لضربات أمريكية مكثفة، فقد تزيد إيران من دعمها العسكري، أو حتى تتدخل بشكل مباشر، مما قد يؤدي إلى مواجهة أمريكية إيرانية مفتوحة.
4. *إيجاد بدائل عسكرية أكثر فعالية*: قد تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات خاصة أو دعم قوات يمنية معارضة للحوثيين كبديل عن الضربات الجوية، لكن هذا يتطلب ترتيبات سياسية وعسكرية معقدة.
5. *وساطة دولية لإنهاء الأزمة*: مع تصاعد المخاوف الدولية، قد تتدخل روسيا أو الصين للعب دور الوسيط، خاصة أن استقرار البحر الأحمر يصب في مصلحة الاقتصاد العالمي.
6. *صفقة أميركية – إيرانية*: قد يتم التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران ضمن إطار أوسع، يتضمن تهدئة ملف الحوثيين مقابل تنازلات في قضايا أخرى، مثل تخفيف العقوبات أو تقديم ضمانات أمنية لإيران.
كاتب وسياسي مستقل