منبر العراق الحر :
في مساءٍ رماديٍ تهادت
سفينةٌ خشبيةٌ وسط البحر،
تمخرُ عباب الموج في
صمتٍ ثقيل، كأنها تبحثُ
عن شيءٍ ضائعٍ منذ قرون.
كان الطاقم منشغلًا
بأعمالهم، حين لاحظ
أحدهم ظلًا صغيرًا يتشبث
بإحدى الحبال القريبة من
الصاري. اقتربوا، فإذا هي
بومة!
بومة في عرض البحر؟!
كان ذلك أغرب من الحلم.
ريشها مبتل، وعيناها
زجاجيتان تنظران بلا حول،
منهوكة القوى، كأنها
ضلّت الطريق أو طاردها
ما من البرّ فهربت بلا
وعي.
تحلّق البحّارة حولها
بدهشة، ثم أجمعوا على
إنقاذها. جفّفوا ريشها،
قدّموا لها الطعام، وغنّى
أحدهم لها لتهدأ. لكن
البومة لم تغرّد، لم تتحرك
إلا قليلاً… كانت تنظر دومًا
إلى الأفق، كأنها تحنّ إلى
بعيد لا تراه سوى
روحها.
حين اقتربت اليابسة،
أطلقها القبطان بنفسه
من كفّه، رافعًا ذراعه نحو
السماء.
“عودي إلى موطنك…”
قالها بحنو.
حلّقت البومة قليلًا، رفّت
بجناحيها كأنها ستعود
للحياة… لكن فجأة، تدلّت
وسقطت كريشةٍ يابسةٍ
فوق الموج. لم تكن قادرة
على الطيران. لم تكن
قادرة على النجاة.
ساد صمت ثقيل على
ظهر السفينة.
أحد البحّارة همس:
“ربما لم تأتِ لتهرب… ربما
جاءت لتموت هنا، بين
أيدينا.”
ومنذ ذلك اليوم، ظلّ
البحّارة كلما أبحروا ورأوا
طائرًا فوق الماء، يتذكّرون
تلك البومة… ويهمسون
بخشوع:
“ثمة أرواح لا تعود، بل
تختار مكانها الأخير.”
نسرين سعود
منبر العراق الحر منبر العراق الحر