منبر العراق الحر :
هذا المساء،
لا أفكّر في إعداد كوب شاي أو فنجان قهوة
لا أفكّر في طبخ وحبة العشاء
لا أفكّر في أن أقول: “أحبّكِ”
للمرّة التي لا أذكر عددها
لحبيبتي
لا أفكّر في أن أرمي كلّ تلك العصافير النّافقة داخل قفصي الصّدريّ
لا أفكّر في تطريز فساتين حبيباتي اللّواتي خلقتهنّ من طين خيالي
بخيوط ضوء القمر وبحبيبات السّكّر
لا أفكّر في كتابة قصيدة نثر يؤمن بنبوءتها شعراء القصيدة العموديّة
لا أفكّر – كما هي عادتي – في تحرير العالم
ولا أفكّرُ في تسلّق نخلتنا الطّويلة
لأتلصّص على ما يفعله الله في غرفته
كما يفعل الأطفال المؤمنون!
هذا المساء، أفكّر في أشياء أخرى تماما.
أفكّر في امرأة غريبة
صوتها دافئ
تقرأ لي: رواية ” عاهرة ونصف مجنون”
ثمّ نجمع ما حصدناه من دموع
لنعلّقها نجمات في سقف غرفتي
بعدها
تُغادرني بعد أن تعدني بأنّها ستنسى وجهي
وأنا
أعدّ نجماتنا إلى أن أنام.
أفكّر في ذلك الرّجل الذي يقف خلف عَيِنَيّ
– كما يقف رجل وراء زجاج نافذة تطلّ على مدينة لندن في صباح شتويّ-
ويتساءل:
هل كلّ تلك الظّلال التي تتسكّع في الضّباب
تراني
أَمْ أنّتي مجرّد صدفة لقاء لا تكون؟!
وحين تبتلع المسافات الظّلال
يصنع من اسمه وسادة ثانية
ويضمّها بقوّة،
كأنّه يخشى أن تنفلت منه،
إلى صدره المملّح
وينام…
أفكّر، أيضا، في أن أدخّن كثيرا في غرفة أمّي
حتى يحجب عنّي دخان السّجائر
وجهها
وهي تمارس، ككلّ ليلة، موتها
فتخلد لنومها دون أن ترعبها عينَيَّ الجاحظتين
وأنام – أنا – لليلة واحدة دون أن يهزمني الصّراخ!
وأفكّر
– وأنا أتثاءب كثيرا –
كيف يمكن أن أحوّل جسدي إلى غيمة بيضاء؛
غيمة تركض، تحت الشّمس، في المروح الزّرقاء
لتصل، في النّهاية، إلى ساحل جزيرة منسيّة
فتنام، هناك، دون أن يزعجها أطفال الرّيح
ودون أن تُسقِطها عن سريرها حرب طائشة تمرّ على عجل!
– أتثاءب كثيرا–
وبمجرّد أن أنتهي من كتابة هذه القصيدة
التي لم تنجح في أن تكون صراخا حقيقيّا
ولم تنجح في أن تكون جرعة “مورفين” لتهدئة أعصاب حزني
أترك كلّ ما لا أفكّر فيه
جانبا
وأترك كل ما أفكّر فيه
جانبا
ثمّ أستلقي في سريري
لأفكّر في أشياء أخرى مختلفة تماما
ولا أنام!
هيثم الآمين
عطارد المجنون
منبر العراق الحر منبر العراق الحر