منبر العراق الحر :… باحث سياسي واقتصادي…
إن رصد تحركات طائرات الشحن الصينية الضخمة وتحليقها الصامت نحو الأجواء الإيرانية، متزامنًا مع تصريحات سياسية حادة من بكين وإسلام آباد، يكشف عن لحظة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي والدولي. لم تعد هذه التحركات مجرد مناورات لوجستية أو تنسيقات دبلوماسية، بل مؤشرات صريحة على تحوّل نوعي في التموضع الاستراتيجي لحلفاء طهران، وتحول الصراع من نزاع محلي أو إقليمي إلى مواجهة مفتوحة بين محاور جيوسياسية كبرى.
لم يكن مشهد التعاون بين إيران والصين وباكستان يومًا بهذا الوضوح أو بهذا العمق. ثلاث دول تتباين في أنظمتها السياسية وتاريخها، لكنها تلتقي اليوم عند نقطة مركزية: الشعور بالتهديد الوجودي المشترك من محور غربي–صهيوني–هندي يرى في أمنها القومي “مشكلة” يجب تطويقها أو تفكيكها. في الماضي، ظل هذا التلاقي محتشمًا، يعمل خلف كواليس المصالح الأمنية والاقتصادية. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بفعل التصعيد الإسرائيلي ضد طهران، والتمدد الاستخباراتي الهندي، واستمرار الحصار الغربي على بكين. ما يجمع هذا الثلاثي لم يعد مجرد المصالح، بل الضرورة الاستراتيجية الوجودية.
*أولاً- البعد الاستراتيجي لدخول الصين*
لم تعد الصين تقف عند حدود الدبلوماسية الصامتة في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، بل تخطّت، للمرة الأولى بهذا الوضوح، مرحلة “المراقب الحذر” إلى ما يمكن وصفه بالدخول الفعلي في المعادلة الاستراتيجية للمنطقة، وذلك من خلال مؤشرات واضحة ومتسارعة، على رأسها دعم لوجستي وعسكري محتمل لإيران في مواجهة إسرائيل. هذا التبدّل في السلوك الصيني لا يمكن فهمه بمعزل عن قراءة متعددة المستويات لأبعاد الصراع العالمي، وإعادة صياغة خرائط النفوذ، خصوصاً في زمن التصدعات الكبرى بين واشنطن وبكين. الصين تحاول الدخول الفعلي في معادلة الصراع وذلك من خلال دعم عسكري محتمل – هو:
1. كسر للحصار الأميركي-الإسرائيلي على إيران، ورفض عملي لعقيدة العزل الاقتصادي والتكنولوجي التي فرضتها واشنطن. غير أن الصين، من خلال دعم إيران في ظرف كهذا، ترسل رسالة ميدانية حاسمة.
2. ما يجري الآن هو اختبار مفتوح لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوّقها النوعي في الشرق الأوسط. أي دعم صيني لإيران لا يُقرأ فقط من زاوية الدعم لحليف، بل يُفهم على أنه استفزاز مباشر للولايات المتحدة على حافة خط النار. بكين تعرف جيداً أن القواعد الأميركية في الخليج وإسرائيل تمثل العمود الفقري للردع الجوي واللوجستي، وبالتالي فإن دخولها – حتى بصيغة غير مباشرة – على خط هذا التوازن، يضع واشنطن أمام معادلة جديدة: إمّا الرد، وبالتالي التصعيد مع الصين، أو التراجع، وبالتالي الانكشاف الاستراتيجي.
3. أن سلوك الصين في هذا الملف لا ينفصل عن طموحاتها في آسيا، وتحديداً تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي. من خلال دعم حليف (إيران) في مواجهة حليف أميركي رئيسي (إسرائيل)، تحاول بكين نقل خطوط المواجهة الرمزية إلى خارج مسارحها المباشرة، في إشارة واضحة إلى أن قواعد الصراع لم تعد محصورة بجغرافيا واحدة. هذه الرسالة مفادها أن أي مغامرة أميركية ضد الصين في محيطها الحيوي، قد تجد لها ارتدادات مؤلمة في ميادين غير متوقعة.
*ثانياً- الدور الباكستاني المحتمل*
في خضم تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، لم تكتفي باكستان بدور “المراقب الحذر”، بل انخرطت بشكل واضح في دعم طهران، مستندة إلى دوافع عقائدية واستراتيجية. فرغم الخلافات المذهبية، دفع التهديد المشترك من التحالف الأميركي-الهندي-الإسرائيلي، إسلام آباد إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مقاربةً محور المقاومة بشكل عملي.
ما يمنح الموقف الباكستاني وزنه الحقيقي هو موقعها النووي، كونها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة لسلاح نووي معلن. دخولها غير المباشر في معادلة الصراع يشكل مصدر ردع استراتيجي، ويحوّل المواجهة من ثنائية إلى منظومة متعددة الأقطاب. الإشارات السياسية الباكستانية كافية لإرباك تل أبيب، في وقت تُعيد فيه باكستان تموضعها كدولة معنية أمنياً واستراتيجياً بما يجري.
أما سياسياً، لم يقتصر الموقف على الحكومة، بل صادق مجلس الشيوخ الباكستاني بالإجماع على قرار يدعم إيران ويدين العدوان الإسرائيلي. كما عبّر رئيس الوزراء شهباز شريف ووزير الدفاع عن تضامن صريح، داعين إلى اتحاد إسلامي لمواجهة التهديد الإسرائيلي.
هذا التحول يعكس تغيّراً في المزاج الباكستاني العام تجاه إسرائيل، ويؤكد أن المعركة لم تعد تخص إيران وحدها، بل هي معركة كل دولة إسلامية تسعى للحفاظ على قرارها السيادي في وجه تطويق استراتيجي غربي-صهيوني-هندي.
*ثالثاً- دلالات التصعيد الخفي*
الهبوط المفاجئ لطائرات شحن صينية في طهران ، وإطفاء أجهزة التتبع للطائرات الصينية، يحمل دلالة أمنية لا لبس فيها، و يعطي بعداً تكتيكياً إضافياً، وكأن الصين تريد أن تقول: ساحة المعركة ليست افتراضية بعد الآن، بل لوجستية وعملانية. هناك منظومات تُسلَّم، أو معدات تُنشَر، دون رغبة في الكشف، ما يعني أن “خط الإمداد الاستراتيجي” بين بكين وطهران قد دخل حيّز التشغيل. وهذا ليس مجرد تعاون عسكري، بل نواة لمحور لوجستي طويل الأمد يتجاوز الطابع العاجل للمعركة الحالية. بكين ترسي بذلك دعائم تعاون دفاعي عميق مع إيران، قد يتطور لاحقاً إلى ما يشبه “حلفاً صامتاً” مضاداً للنفوذ الأميركي في المنطقة.
باكستان لم تنفي بشكل قاطع الاخبار التي ترددت عن إرسالها شحنات صواريخ أو منظومات دفاع جوي إلى إيران، بغرض استخدامها في مواجهة إسرائيل . ما نعرفه فعلاً عن علاقة باكستان بالدفاعات الجوية: باكستان تعتمد بشكل كثيف على الأسلحة الصينية – بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي مثل HQ 9/P وصواريخ متطورة – وقد اعتمدتها في عملياتها الأخيرة ضد الهند. وقد تم اختبار فعالية هذه التسليحات خلال التصعيد الاخير مع الهند، وخاصة صواريخ PL 15 وطائرات J 10C . وجود القدرات الدفاعية الصينية ـ خاصة لدى باكستان ـ يعزز مكانة باكستان كحامل ترسانة متطورة، وستكون حتماً داعمة الى إيران حسب ما قاله وزير الدفاع الباكستاني.
*رابعاً- التوقعات القادمة*
1. تشكيل محور ردع آسيوي واضح بين إيران، الصين، وباكستان، قد يتطور إلى تعاون عسكري ميداني، يشمل أنظمة دفاع جوي، وتكنولوجيا صواريخ، وتبادل استخباراتي.
2. زيادة الضغط على إسرائيل لتوسيع جبهاتها الدفاعية، لا سيما مع احتمال تلقي إيران دعماً تقنياً دقيقاً في إدارة الحرب السيبرانية والردع الجوي.
3. تقييد حركة الولايات المتحدة في المنطقة، لأنها ستضطر لإعادة حساب تموضعها العسكري في الخليج وشرق المتوسط، في ظل تنامي جبهة دعم لإيران لا يمكن تجاهلها.
4. احتمال نشوب صراعات بالوكالة في مسارح متعددة، من باكستان الشرقية إلى بحر العرب، مروراً باليمن وسوريا ولبنان، ما يفتح الباب أمام مواجهة كبرى غير متكافئة.
5. تراجع قدرة إسرائيل على حسم الحرب سريعاً: ففي ظل وجود داعمين مباشرين لإيران، يصبح خيار الحرب الخاطفة أكثر خطورة.
*خامساً- خلاصة الرؤية الاستراتيجية*
إن دخول الصين وباكستان على خط الصراع لا يمكن النظر إليه كتحرك داعم لطهران فقط، بل كإعادة رسم لخريطة التحالفات الدولية، وتحدٍ مباشر للنظام العالمي القائم على الهيمنة الغربية. لم تعد إسرائيل تواجه إيران وحدها، بل تحالفاً يمتد من سور الصين إلى كراتشي، قادر على تحويل الحرب إلى مواجهة متعددة الجبهات، اقتصادية، سيبرانية، ونووية. وإذا استمر التعنّت الإسرائيلي والرهان على الغطاء الأميركي، فقد يجد العالم نفسه على أعتاب نظام عالمي جديد يُكتب بالحبر النووي، لا الحبر الدبلوماسي.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر