*قراءة في قواعد الاشتباك الجديدة* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…. باحث سياسي واقتصادي…
في خضم التصعيد العسكري المتصاعد بين إيران وإسرائيل، ومع التورط الأميركي المتدرج في ملامح المشهد، تتخذ خريطة الصراع ملامح أكثر تعقيداً، توحي بانزلاق محسوب نحو مواجهة كبرى قد تتجاوز الإطار الإقليمي لتلامس حدود اشتباك دولي مفتوح، تقف على تخومه إشارات الردع النووي والتحذير الاستراتيجي. لكن ما يثير الانتباه في هذا التطور المتسارع ليس فقط اندفاع اللاعبين الإقليميين نحو حافة الاشتعال، بل التريث الأميركي اللافت. فعلى الرغم من امتلاك واشنطن لأدوات التفوق الشامل-عسكرياً، واستخباراتياً، وتكنولوجياً- إلا أنها اختارت التراجع عن الضربة الاستباقية والتمركز بدل ذلك في مربع الحصار المركّب والضغط الاستراتيجي المتدرج.
هذا الانضباط الأميركي في إدارة الأزمة لا يعكس تردداً تقليدياً، بل يعكس تحولاً دقيقاً في تقدير الموقف، سببه تغيّر في طبيعة الأهداف، وتوسّع في دائرة المحاذير، ووعي متقدم بكلفة الانفجار المفتوح في بيئة دولية تتجه نحو التعددية والصدام غير المتماثل. فما الذي استجدّ في الحسابات؟ وأي أهداف جعلت واشنطن تمارس سياسة الكبح بدل الانقضاض؟ وهل نحن أمام مرحلة إعادة رسم لقواعد الاشتباك أم بداية تصدع في هيبة الردع الأميركي التقليدي؟
*استهداف قاعدة “تل نوف” الجوية*
في تطوّر لافت ونوعي في مسار المواجهة، وجّهت إيران ضربة مباشرة إلى قاعدة “تل نوف” الجوية، واحدة من أعصاب الردع الاستراتيجي الإسرائيلي. الضربة لم تكن مجرد استهداف لمدرج أو طائرة، بل كانت بمثابة اختراق رمزي وعسكري في آنٍ واحد. القاعدة التي تقع على بعد نحو 25 كيلومتراً من جنوب تل أبيب. تُعدّ من أكبر وأهم القواعد الجوية التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. أنشئت في العام 1939 إبّان فترة الانتداب البريطاني. وهي ليست منشأة عادية، بل تضم مكونات حساسة تُعد جزءاً من “العقل النووي” لإسرائيل، وتشكل ركيزة من ركائز تفوقها العسكري.
ففي قلب “تل نوف”، تخزّن إسرائيل قنابلها النووية التكتيكية، وتدير من هناك منظومات الحرب الإلكترونية المحمولة جواً، بالإضافة إلى أسراب الطائرات بدون طيار التي تُستخدم في عمليات الرصد والهجمات الدقيقة داخل وخارج حدود فلسطين المحتلة. هذه الضربة الإيرانية تحمل أبعاداً تتجاوز الجغرافيا والتكتيك، إذ هي بمثابة رسالة نارية مفادها: “الردع المتبادل لم يعد نظرياً… وإيران قادرة على المسّ بما كان يُعتقد أنه غير قابل للمساس.”
ردّ الفعل الأميركي جاء سريعاً، البنتاغون استشعر أن أمن “القواعد الحمراء” الإسرائيلية أصبح على المحك. فالضربة تعني ببساطة أن القواعد ذات البعد النووي لم تعد في مأمن، وأن طهران تملك معلومات استخباراتية دقيقة وإرادة تصعيدية لا تهاب الدخول في مربّع “الردع النووي”، ولو على مستوى الرسائل.
*قصف قاعدة “نيفاتيم” – قلب سلاح الجو الإسرائيلي*
في قلب صحراء النقب، إلى الجنوب الشرقي من مدينة بئر السبع، تقف قاعدة نيفاتيم الجوية، ليس فقط كموقع عسكري، بل كمركز أعصاب سلاح الجو الإسرائيلي. وُلدت هذه القاعدة قبل إعلان قيام الكيان الإسرائيلي، حيث شُيّدت عام 1947 لتكون مدرجاً سرياً لهبوط طائرات “الهاغاناه”، الذراع العسكرية الصهيونية آنذاك، ثم تطورت لاحقاً لتُصبح واحدة من أعقد المنشآت الجوية في الشرق الأوسط.
بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، أعيد بناء نيفاتيم بتمويل سخي من الولايات المتحدة، كجزء من معادلة الردع والتفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في الإقليم. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت القاعدة إلى ما يمكن وصفه بـ”العقل الجوي الإسرائيلي”، أو غرفة العمليات التي تُدار منها الحروب في السماء. ولهذا فإن استهدافها من قبل إيران – وفقاً للتقارير المتقاطعة – يُعد ضربة رمزية واستراتيجية كبرى. في داخل أسوارها الحصينة.
*تدمير مجمعات صناعية في كريات جات وتل أبيب*
لم يكن استهداف منشآت الرقائق الإلكترونية في قلب “إسرائيل الصناعية” مجرد عملية تخريب عشوائية أو ضربة ثانوية في سياق الحرب. بل كانت ضربة محسوبة بعناية، تستهدف العمود الفقري الخفي لمنظومة القوة الإسرائيلية: تلك الشرائح الدقيقة التي تغذي صناعات السلاح، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والطائرات بدون طيار. ففي عالم اليوم، لم تعد المعارك تحسم فقط بالصواريخ والدبابات، بل بالمعالجات الدقيقة، ودوائر السيليكون التي تختبئ في قلب كل نظام عسكري ذكي. ولهذا، فإن المساس بهذه المصانع لم يكن ضربة في الخاصرة، بل في نخاع الصناعات الإسرائيلية.
ما لا يُقال في العلن أن العديد من مجمعات إنتاج الرقائق الإسرائيلية مرتبطة مباشرة بشركات أمريكية كبرى مثل Intel وNVIDIA و Qualcomm، التي نقلت خلال العقدين الماضيين جزءاً كبيراً من عمليات البحث والتصنيع إلى الداخل الإسرائيلي، مستفيدة من البيئة التكنولوجية المتقدمة والحوافز الاستراتيجية.
وحين تعرّضت تلك المصانع للقصف أو التخريب السيبراني – وفق تقارير استخبارية متقاطعة – لم تكن الخسارة إسرائيلية فقط، بل أمريكية أيضاً. فتعطل خطوط الإنتاج وتوقف شحنات حساسة من المعالجات الدقيقة المخصصة للتطبيقات العسكرية أطلق إنذاراً اقتصادياً في واشنطن، عنوانه: إيران لم تعد تهدد فقط الجنود على الأرض، بل سلاسل التوريد الصناعية في عمق التحالف الغربي.
*قصف شركة “رافائيل” المصنعة للقبة الحديدية*
لم يكن قصف منشآت شركة “رافائيل” الدفاعية مجرد ضربة على بناية صناعية، بل كان بمثابة رسالة صاعقة تم إرسالها بدقة إلى مركز الأعصاب الدفاعية لدولة الاحتلال… وإلى البنتاغون أيضاً.
“رافائيل”، المؤسسة التي تأسست في أعقاب نكبة 1948، تطورت لتصبح أكثر من شركة تصنيع سلاح: إنها العقل الهندسي الذي يقف خلف نظام “القبة الحديدية”، وورشة التطوير الأولى للأسلحة الإسرائيلية عالية التقنية – من صواريخ “سبايك” إلى أنظمة الليزر والدفاع الجوي – والأهم: شريك صناعي دائم لوزارة الدفاع الأميركية.
استهداف “رافائيل” لم يكن مجرد إضعاف لقدرة إسرائيل على التصدي لصواريخ المقاومة، بل هو ضربٌ مباشر في صميم التعاون العسكري الأميركي الإسرائيلي. فكل قنبلة سقطت على هذه المنشآت حملت رسالة مزدوجة: الأولى لتل أبيب مفادها أن درعها قد يُخترق، والثانية لواشنطن مفادها أن استثماراتها الدفاعية في إسرائيل ليست محصّنة كما كانت تظن.
والأخطر من ذلك، أن الاستهداف كان بمثابة إهانة تقنية للهيمنة الغربية، حيث طال مؤسسة تصنَّف على أنها من بين أهم عشر شركات تكنولوجيا دفاعية في العالم، وتُمول من خلال عقود أمريكية بمليارات الدولارات
*شلّ مدرسة الطيران وقواعد التدريب الجوي*
استهداف قاعدة “عوفدا” Ovda Airbase الجوية شمال إيلات، يحمل معنىً أبعد من مجرد قصف موقع عسكري. عوفدا ليست مجرد مدرج طائرات، بل هي الورشة التي يُصنع فيها الطيار الإسرائيلي نفسه… العقل التكتيكي والجناح الذي تعتمد عليه إسرائيل في تفوقها الجوي المطلق منذ تأسيسها.
القاعدة، التي تُعتبر أحد الأعمدة الخفية لسلاح الجو الإسرائيلي، تضم أكاديمية تدريب الطيارين المقاتلين ووحدات متقدمة تُعِدّ النخبة الجوية، بما في ذلك الذين سيقودون مقاتلات F-35 في حال اندلاع مواجهة كبرى مع إيران أو حزب الله.
الاستهداف الإيراني لعوفدا مثل تحولاً لافتاً في الاستراتيجية: لانها وجهت الضربة نحو المستقبل البشري لسلاح الجو الإسرائيلي. بمعنى أدق، حاولت ضرب العمود الفقري الذي يرفد منظومة الردع الإسرائيلية بالعنصر البشري المدرب، عالي الجاهزية، المحصَّن نفسياً وعقائدياً.
فالمعادلة الجوهرية لإسرائيل لا تقوم فقط على الأسلحة الذكية، بل على الطيار الذكي. وهذا بالضبط ما استهدفته الضربة.
*ضربة استخباراتية مزدوجة*
في واحدة من أكثر العمليات الإيرانية جرأة وتعقيداً، استهدفت طهران مقر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ذلك العقل الغامض الذي طالما اعتُبر “مغلقاً بإحكام” من جهة العدو. ضربة لم تكن فقط قصفاً موضعياً، بل رسالة استراتيجية مكتملة المعاني: إيران تعرف، وتصل، وتضرب… حين تقرر.
المنشأة المستهدفة ليست مجرد مبنى تقني أو مركز مراقبة، بل مؤسسة معقدة تُعد من أعمدة الأمن الإسرائيلي، ومربوطة وظيفياً واستخباراتياً بشبكات التنسيق الأميركي-الإسرائيلي.
الضربة فجّرت أزمة مزدوجة في واشنطن وتل أبيب معاً. لم يكن الفشل أمنياً فقط، بل فشلاً استخباراتياً استباقياً أمريكياً-إسرائيلياً مشتركاً: لم ترَ الضربة قادمة، ولم تُجهضها، ولم تُردّ عليها بما يتناسب مع رمزيتها.
رد الفعل الأميركي لم يأتِ بصاروخ ولا بقاذفة، بل بحركات استعراضية محسوبة:
1. تحريك حاملات الطائرات في البحرين وسواحل المتوسط.
2. إعادة تموضع طائرات التزود بالوقود نحو قواعد أوروبية.
3. وتهديدات كلامية أطلقها ترامب في خطاباته المتلفزة… لا في الأجواء.
*لماذا تراجعت واشنطن عن ضرب ايرن؟*
السبب لا يتعلق بالجبن أو التردد فقط، بل بتغير قواعد الاشتباك ذاتها. فإيران، عبر ست ضربات مركزة ودقيقة ضد أهداف نوعية جداً، أعادت تعريف ميزان الردع.
وما الذي تغيّر؟
أولاً: إيران أظهرت جاهزية استراتيجية غير متوقعة: ضربت عمق الدولة العبرية، واختارت أهدافاً تفوق التوقعات.
ثانياً: كشفت عن بنك أهداف ذكي، ومتدرج، ومؤلم، يضرب البنية التحتية الحيوية والأمنية، ويستهدف الوعي الأمني والسياسي للخصم.
ثالثاً: لمّحت (ولو رمزياً) إلى احتمال التصعيد النووي، إن لم يكن عبر قنبلة، فكان عبر التهديد باستخدام القنبلة كورقة توازن.
ولذلك نجد أن واشنطن الآن في موقف حرج: وضعت البيت الأبيض أمام خيارين… ولا مجال للخطأ:
إما خوض حرب مفتوحة مع إيران، بما تعنيه من إشعال الخليج، والمغامرة بالقواعد العسكرية، وانهيار سوق الطاقة، وانفجار مضيق هرمز، وتعطيل الملاحة العالمية.
أو مواصلة سياسة “الاحتواء الذكي”، عبر الحصار الاقتصادي، والحرب السيبرانية، واستنزاف الداخل الإيراني دون الولوج إلى المعركة الكبرى.
*إيران… درع توازن إقليمي*
لأعوام طويلة، جرى تصوير إيران على أنها مصدر الخطر، وقلب التهديد، ومحور الاضطراب. لكن التطورات الأخيرة فرضت قراءة أكثر تعقيداً للمشهد. إيران، بقوتها العسكرية، وبنيتها الأمنية، وامتداداتها الجيوسياسية، تحوّلت إلى حجر أساس في هندسة الردع الإقليمي. هي ليست مجرد “عدو” لإسرائيل، بل النقيض الضروري الذي يحدّ من سطوة تل أبيب ويمنع الانزلاق نحو تفوق غير متوازن قد يغري بتفجير المنطقة من طرف واحد.
كما أن إيران تشكّل مانعاً حقيقياً أمام التدخل الأميركي المباشر والمطلق في عمق الخليج العربي. وجودها، بحد ذاته، يرسم حدوداً لما يمكن أن تفعله واشنطن، سواء عسكرياً أو اقتصادياً. إنها – بوعي أو بدونه – تلعب دور الكابح للتورط الأميركي المنفلت، وتفرض معادلة الحرب الباردة المؤطرة، لا المواجهة الكاملة التي لا ضوابط لها.
حين يحلم البعض بإسقاط النظام الإيراني، يتجاهلون حقيقة أعمق: أن هذا النظام، مهما كانت مشكلاته، أصبح عنصراً بنيوياً في توازنات المنطقة. تفكيكه أو إسقاطه لن يعني فقط انهيار دولة، بل تفكيك معادلة بأكملها، وانهيار آخر جدار استقرار هشّ.
إن سقوط إيران قد يكون الشرارة الأولى لسلسلة من التفاعلات الانفجارية:
1. سباق تسلح نووي: تبدأ دول مثل السعودية وتركيا ومصر في السعي لامتلاك الردع النووي الخاص بها، خشية الفراغ الذي ستتركه طهران.
2. تفكك الردع الإقليمي: إسرائيل ستصبح بلا خصم مكافئ، قد تندفع نحو فرض معادلة القوة بالقوة، مما يضع المنطقة على حافة الحرب الدائمة.
3. تسونامي خليجي: إنهيار الردع الإيراني سيطلق موجات من القلاقل الطائفية والسياسية والاقتصادية في دول الخليج، التي تعتمد، ولو ضمناً، على “التوازن بالخوف”.
4. عودة الاحتلالات للمنطقة: الفراغ الذي سيخلفه سقوط إيران قد يُملأ بتدخلات أجنبية مباشرة تحت ذريعة “حفظ الأمن وإعادة الاستقرار”، ما يعيد المنطقة إلى سيناريوهات ما بعد الغزو الأميركي للعراق.
*إيران كلاعب… لا يمكن تجاوزه*
المواجهة الأخيرة أثبتت أن إيران لم تعد رقماً هامشياً. هي طرف فاعل، يشكل مركز ثقل في الأمن الإقليمي، سواء أحبها البعض أم رفضها. وأي محاولة لإزاحتها من المعادلة بالقوة، لن تؤدي إلى نصر واضح، بل إلى زلزال استراتيجي قد يُطيح بما تبقى من استقرار شكلي في الشرق الأوسط.
الخطورة لا تكمن في صواريخ إيران فقط، بل في أن وجودها بات ضرورياً لضبط حافة الهاوية. وإسقاطها لن يكون مجرد تغيير للنظام، بل كسر للمنظومة، وانهيار لآخر قواعد الاشتباك المتفق عليها .

اترك رد