السرد التعبيري وهدم الجدران النقدية….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :…قراءة في كتاب (حكايات بلا جدران) للناقد الأدبي عبدالكريم حمزة عباس،..

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تأملية لكتاب «حكايات بلا جدران: تأملات في السرد التعبيري» للناقد العراقي عبدالكريم حمزة عباس، الصادر عن دار ماروسي، الطبعة الأولى، 144 صفحة.
ينتمي الكتاب إلى حقل الدراسات النقدية الحديثة، ويعتمد في مقاربته على المنهج التأويلي – التأملي، الذي يسعى إلى تفكيك البنى الرمزية للنص السردي العربي المعاصر، وفتح أفق جديد أمام مفهوم “السرد التعبيري” بوصفه شكلاً من أشكال الحرية الجمالية والتحرر من القيود البنيوية والموضوعية.
أن الناقد عباس يقدّم في هذا العمل تجربة نقدية جديدة تمزج بين الفكر الجمالي والوعي الفلسفي، محاولًا إزالة “الجدران” التي تفصل بين النص والناقد، وبين القارئ والتجربة السردية، ليؤسس بذلك نمطًا من النقد الإبداعي القائم على الانفتاح والتأمل.
يشكّل كتاب «حكايات بلا جدران» إضافة مهمة في مسار النقد العربي المعاصر، كونه لا يكتفي بتشخيص الظواهر السردية، بل يسعى إلى تفكيكها من الداخل عبر خطاب نقدي حرّ يتناغم مع طبيعة النصوص التي يدرسها.
يُعدّ “السرد التعبيري” – كما يطرحه عباس – محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين اللغة والتجربة، بين الكاتب والقارئ، بحيث يغدو النص كيانًا تعبيريًا مفتوحًا على التأويل والتفاعل.
إنّ اختيار عنوان “بلا جدران” لا يأتي صدفة، بل يعكس فلسفة الكتاب القائمة على تحطيم الحدود بين الأنواع الأدبية، والمناهج النقدية، والمستويات الدلالية، ليُبقي السرد في حال من الانفتاح الدائم على التجربة الإنسانية والوعي الجمالي.
تتمحور هذه القراءة حول السؤال الآتي:
كيف يسهم كتاب «حكايات بلا جدران» في ترسيخ مفهوم “السرد التعبيري” كنمط جديد من القراءة النقدية، قائم على التأمل والتحرر من الجدران الشكلية والفكرية؟
ومن هذا السؤال تتفرع الأهداف الآتية:
1. الكشف عن خصائص المنهج التأملي في قراءة النصوص السردية.
2. تحليل مفهوم “الجدار” بوصفه رمزًا للقيود البنيوية والاجتماعية والنفسية.
3. إبراز مساهمة الكتاب في تطوير النظرية السردية العربية المعاصرة.
4. تقييم الأثر الجمالي والفلسفي للنقد التأملي في بناء وعي جديد بالكتابة السردية.
يعتمد الناقد على المنهج التأويلي – التحليلي، الذي يجمع بين:القراءة الجمالية للنصوص،والتحليل البنيوي للرموز والدلالات،والتأمل في اللغة النقدية ذاتها بوصفها خطابًا إبداعيًا.
كما يستند إلى بعض المفاهيم المستمدة من هرمنيوطيقا التأويل الحديثة (غادامير، بول ريكور)، حيث يُنظر إلى النقد باعتباره “حوارًا مع النص” لا “حكمًا عليه”.
أولًا: مفهوم السرد التعبيري عند عباس
يُعرّف الناقد السرد التعبيري بوصفه لغة الذات في مواجهة العالم، لا مجرد تقنية سردية.
إنه السرد الذي يتجاوز الحكاية نحو الانفعال والتجربة،
يذيب الحدود بين الواقعي والرمزي،
ويمنح اللغة حرية التعبير عن ما وراء الحدث
بهذا المعنى، يقترب السرد التعبيري من الشعر، لكنه يظل محتفظًا بسيرته السردية، أي بقدرته على تمثيل الواقع من خلال الوجدان، لا من خلال الخطاب الواقعي المباشر.
ثانيًا: رمزية الجدار وهدم البنية المغلقة
يُعدّ مفهوم “الجدار” مفتاحًا رمزيًا رئيسًا في الكتاب، إذ يمثل:
جدار الشكل الأدبي (القالب التقليدي)
جدار اللغة الجامدة،
جدار التلقي السلبي.
وإزالة هذه الجدران تعني تحرير النص من القيود، وإعادة الاعتبار للخيال والتجربة.
فالناقد لا يقرأ النص من الخارج، بل يتوغل فيه تأمليًا ليكشف صراعه الداخلي بين الشكل والمضمون، بين التعبير والصمت
ثالثًا: المقاربة الجمالية – الفلسفية
يمزج الكتاب بين الحس النقدي والفكر الفلسفي، لأن عبد الكريم حمزة عباس يتعامل مع النصوص بوصفها كائنات لغوية حيّة، لا موضوعات جامدة للتحليل.
اللغة عنده ليست وسيلة بل حالة وجودية، والسرد ليس بناءً فقط بل انفعال الوعي بالحياة.
وهنا نلحظ أثر الفلسفة الوجودية والتجريب الحداثي في مقاربته، إذ يجعل النقد فعلاً تأمليًا يعيدنا إلى سؤال المعنى.
رابعًا: اللغة النقدية وأسلوب الكتابة
لغة الكتاب لا تخلو من الشعرية، إذ تميل إلى:
الجملة الوجيزة الكثيفة،
الانزياح البلاغي،
التصوير الحسي والمعنوي للنصوص.
وهذه اللغة لا تُضعف الجانب العلمي، بل تمنحه طاقة جمالية تجعل النقد نفسه خطابًا أدبيًا.
فالكاتب يجسّد عمليًا ما يدعو إليه نظريًا: “نقد بلا جدران”، حيث تمتزج اللغة التحليلية بالتأمل الوجداني.
خامسًا: القيمة النقدية والمعرفية للكتاب
1. تأسيس لمفهوم جديد للسرد: إذ يحوّل السرد من حكاية إلى تجربة لغوية وجودية.
2. تجديد لغة النقد العربي: عبر دمج الحس الأدبي بالتحليل الفكري.
3. توسيع أفق القراءة: بدعوة القارئ للمشاركة التأويلية لا التلقي السلبي.
4. إحياء العلاقة بين النقد والفكر: فالناقد هنا مفكر يطرح الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات.
نستخلص من ذلك :
إن “السرد التعبيري” كما يطرحه عباس هو نصّ الذات الكاشفة التي تواجه الواقع باللغة، وتحوّل السرد إلى فضاء للتعبير الحر.
“بلا جدران” ليست استعارة فحسب، بل مشروع نقدي تحرري يدعو إلى تجاوز الانغلاق الأكاديمي.
يمثّل الكتاب حلقة مهمة في تطور النقد العراقي الحديث، وامتدادًا لتيار النقد التأملي العربي.
لذا فإن القارئ يخرج من «حكايات بلا جدران» بانطباع أن النقد يمكن أن يكون فنًّا تعبيريًا بقدر ما هو علمي ومنهجي.
فالناقد عبدالكريم حمزة عباس يفتح أفقًا جديدًا للنقد العربي، حيث يتحوّل النص إلى مرآة للوعي، والناقد إلى شريك في التجربة الإبداعية، لا قاضٍ عليها.
وهكذا يحقق الكتاب معادلة نادرة بين الصرامة الفكرية والحرية الجمالية، مؤسسًا لوعي نقدي“بلا جدران”.

اترك رد