منبر العراق الحر :
عيناكِ تتحدّثان
قبلَ الكلمات
تسيران في وجداني
كما يسير الفجرُ
على الرمال
كلُّ نظرةٍ منكِ
قِصّةٌ لم تُكتب
وكلُّ ومضةٍ كأنّها
برقٌ يخترقُ ظلمةَ قلبي…
أراهما تسبحان
في بحرٍ من السِّحر
تسطعان كما
يسطعُ الفجرُ
على قممِ الجبال
كما يركضُ النسيمُ
حاملًا عبقَ الصحارى
كما تتسلّل
خيوطُ الشمس
بين الأغصان…
تقتحمان قلبي
قبل أن أستجمعَ أنفاسي
تجعلان السكون
يقفُ مذهولًا
والزمانَ يتوقّف
لحظةً كي يراقبكِ
أطلِقيني في عالمٍ
بلا حدود
حيث لا يقهرني الموت
ولا يملكُ الحزن
مدخلًا إلى روحي…
أريد أن أغوصَ فيكِ
أن أضيعَ في أعماقكِ
أن أصنعَ من قلبكِ ملاذًا
ومن ابتسامتكِ وطنًا
لا يغادره أحد
كنتُ بعيدًا عنّي
وشواطئُ الحياة ترفضني
لكنّها لم تعرف
أنّ عينيكِ ستحميني
أتيتُ طائعًا مستسلمًا
أضعُ قلبي بين يديكِ
فاصنعي منه ما شئتِ
فهو ملككِ منذ اللحظة
التي عرفتُكِ فيها…
مزّقي جدرانَ حزني
وافجري نهري
من أعمقِ قلبي
أوقظيني حين
يغفو الصمت
وارسمي لي طريقًا
إلى الجنون
حيث الكلمات لا تكفي
وحيث العشق
يفيضُ بلا نهاية
كلُّ ثانيةٍ بدونكِ موت
وكلُّ لحظةٍ معكِ
ولادةٌ جديدة…
أنتِ لستِ مجرّدَ
وجهٍ يمرّ
أنتِ قدر
أنتِ نصيبي
أنتِ القمرُ في ليلي
وأملي في صباحي
كيفما شئتِ
اصنعي من
قلبي مسرحًا
ومن حياتي
أغنيةً لا تنتهي
أنا لكِ حتّى آخرِ
نفسٍ في عروقي
وحتّى آخرِ خطوةٍ
على هذه الأرض…
عيناكِ…
وما تبقّى من العالم
عيناكِ لا تُرى
بل تُعاش…
هما ليسا لونًا
ولا ضوءًا
ولا مرآتين لملامحكِ
إنّهما زلزالان هادئان
إذا مرّا بقلبٍ
أعاداه إلى فوضاه الأولى
حين تنظرين
تتراجع اللغةُ
خطوةً إلى الوراء
وتقفُ المفردات عاجزةً
كجنودٍ بلا أوامر
كلُّ ما فيَّ يصغي
حتّى الأشياء
التي لا تسمع تصغي…
في عينيكِ
صباحٌ لم تمسَّه المدن
وشمسٌ لم تتلوّث
بزجاجِ النوافذ
فيهما صحارى
تشربُ الضوء
ولا ترتوي
وفيهما سحرٌ
إذا مرّ على التعب
نسي اسمَه…
أراكِ
كفرسٍ خرجت
من رحمِ الفجر
تركضُ بلا خوف
تقتحمُ الحواجز
وتدهسُ المستحيل
وتجعلُ القلب
ساحةً مفتوحةً للاندفاع…
نظرةٌ منكِ
تكفي لتهزمَ
جيشًا من الصبر
وتفتحَ في صدري
ألفَ ثغرةٍ للعشق
نظرةٌ واحدة
تجعلُ تاريخي
حدثًا جانبيًّا
لا يستحقُّ الذِّكر…
تعالي…
ولا تأتي كما تأتي النساء
تعالي كقدرٍ لا يُردّ
كموجٍ لا يسألُ
الصخرَ عن إذنه
مزّقي وجهي الحزين
وبعثري هدوئي
كغبارٍ قديم
وأقلقي طمأنينتي
فأنا تعبتُ من السلام
الذي لا يشبهكِ…
أيقظيني
فالنومُ في الصحو
قتلٌ بطيء
وأنا مللتُ أن
أعيش معلّقًا
بين انتظارٍ لا يكتمل
وصبرٍ لا يُجدي…
أطلِقيني…
في الجنون
الذي يشبهكِ
ذلك الجنون
الذي لا طريقَ فيه
إلّا السقوطُ فيكِ
ولا نجاةَ منه
إلّا بالهلاك الجميل…
كانت بيني وبينكِ
شواطئُ كثيرة
أمواجُها متعبة
وسماؤها بعيدة
كلّما حاولتُ العبور
كسرتْ سفني
وأعادتني إلى نفسي
منكسرًا ومتشظّيًا…
ضللتُ الطريق
وتاه اسمي عنّي
وصرتُ أجرّ ظنوني
كما يجرّ المنفيُّ
أحلامه المهشّمة
حتّى جئتِ
جئتِ…
فانحنت المسافات
وتراجع التعب
وسلّمتكِ أمري
دون شروط
دون أسئلة
دون خطّةِ نجاة…
دونك…
تستحيل الحياة
وتصبحُ الأيام
نسخًا باهتة
ويصيرُ القلب
آلةً تعمل بلا معنى
فخذي هذا القلب
احفظيه أو اكسريه
فكِلاهما عندي
أقلُّ قسوةً من الفقد…
أنا متعبُ الخطى
أجرّ أجنحةً مكسورة
فامنحيني ظلّكِ
ليس لأرتاح
بل لأستمر
لأتعلم كيف
يكون الطيران
حين يكون
الهبوطُ إليكِ…
أنتِ…
لستِ اختيارًا
أنتِ حدثٌ كونيّ
زلّةٌ في حساب الوجود
خطأٌ جميل
لا أريد تصحيحه…
كيفما شئتِ
فكوني…
ريحًا…
نارًا…
ملاذًا…
هاوية…
فأنا منذ عرفتُكِ
لم أعد أطلب النجاة
بل الاكتمال…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر