نسمة من أيّام زمان…. ولاء العاني

منبر العراق الحر :

مددتُ كفّي إلى العرّافة، ليس طلبًا لمعرفة الغيب، بل كمن يمدّ يده لمرآةٍ علّها تُعيد إليه ملامحه الأولى .
تأمّلت خطوط كفّي طويلًا ثم قالت :
يدُ الخير سبقتك، لكن النهرين تركا ظلالهما في مغيب الأيام،
وصحراء روحك .. ما زالت عطشى .
أنصتُّ، ولم أشأ أن أقطع صمتها بكلمة، فبعض الحقائق يؤلمنا سماعها أكثر من جهلها. ثم تابعت :
غاباتُ النخيل الباسقات لم تعد سوى ركام، وقصورٌ شُيّدت في نفوس البشر انهارت قبل أن يكتمل سقفها .
تسمّرتُ في مكاني، خشيتُ أن تمضي أبعد فتنبش سرًّا دفنته في صدري منذ زمن. لكنها واصلت، تقلب النظر في كفّي كمن يقرأ خريطة وطنٍ مكسور:
لم يبقَ لكم أمل، الشيبُ والشباب ارتحلوا معًا، ونساؤكم تفرّقن في الطرقات تسبقهنّ الحاجة وتلحقهنّ الحسرة.
صمتت لحظة، كأنها تُحدّث نفسها أكثر مما تُخاطبني، ثم قالت :
هيا .. أخبريني، ما قصتك؟
قلتُ، ودموعي تنحدر كأنها شرايين مفتوحة :
قلبي . تركته هناك، عند أهلي وأحبّتي، في الأزقّة التي شهدت ضحكات طفولتي، وفي الطرقات التي كبرنا عليها قبل أن تكبر فينا الخيبات.
لم تتردّد، ابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت :
يا سلام . واليوم تقولون إنكم أبناء تلك الأيام؟
انهضي،
لم يعد لديّ حروف للشرح ولا كلمات للوصف.
فرائحة الدم غطّت الذاكرة، وذكريات القهر غلفت جدران القلوب، وأنين الشوق لأيامكم داعب خيالنا حتى أتعبه .
وأتعبنا.

اترك رد