تحت ظلّ الفناء : الفلسفة كتمرد الوعي على صمت الواقع وبحث الروح عن المعنى..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليست الفلسفة ترفًا ذهنيًا ولا حيلة لغوية تُمارَس في ظلال القاعات المغلقة بل هي أقدم صرخة أطلقها الإنسان حين اكتشف أنه موجود في عالم لا يشرح نفسه بنفسه وإنها الحاجة العميقة إلى الفهم حين يصبح الواقع أثقل من الاحتمال وحين تعجز الوقائع وحدها عن منح الحياة معناها.

الفلسفة تولد كلما اصطدم الإنسان بحدوده وكلما أدرك أن العيش دون سؤال هو شكل بطيء من أشكال الموت فالواقع في جوهره، صلب، محايد، لا يبالي بأحلامنا ولا يلتفت إلى قلقنا وهو يمنحنا الأحداث لا الدلالات، ويضعنا أمام ما هو كائن دون أن يخبرنا لماذا هو كذلك ومن هنا تبدأ الفلسفة: لا بوصف الواقع كما هو فقط بل بمساءلته بتفكيكه وبالشك في بداهاته وكل فلسفة حقيقية هي تمرد على القبول الأعمى ورفض لأن يُختزل الإنسان في ما يفرضه الواقع عليه.

أما المعنى، فليس حقيقة جاهزة نكتشفها كما نكتشف قانونًا فيزيائيًا بل هو مشروع وجودي يُبنى في مواجهة العبث والمعنى لا يُمنح، بل يُنتزع والإنسان لا يجد نفسه في العالم، بل يصنعها عبر اختياراته عبر مواقفه، عبر الطريقة التي يواجه بها الألم الفقد، والخسارة ولهذا كانت الفلسفة دائمًا حارسة المعنى، تقف في وجه السقوط في الفراغ، وتذكّر الإنسان بأن حياته لا تُقاس بطولها، بل بعمقها وفي قلب هذا الصراع بين الواقع والمعنى، تقف الروح بوصفها أكثر مناطق الإنسان هشاشة وصدقًا والروح ليست مفهومًا ميتافيزيقيًا مجردًا فحسب بل هي تجربة العيش من الداخل : القلق الحب، الحزن الإحساس بالجمال والارتجاف أمام الأسئلة الكبرى.

حاولت الفلسفات اختزالها تفسيرها أو إنكارها لكنها عادت دائمًا لتفرض حضورها لأن الإنسان لا يُفهم بوصفه جسدًا يؤدي وظائف بل ككائن يشعر ويفكر ويتألم
ثم يأتي الموت لا كحادثة بيولوجية فقط بل كزلزال فلسفي والموت هو السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه والحد الذي تنكسر عنده كل يقينيات القوة والعلم والسيطرة إنه الحقيقة التي تجعل كل شيء آخر مؤقتًا وكل اختيار أخلاقيًا، وكل لحظة ذات وزن ومن هنا، لم يكن الموت نقيض الحياة بل شرط فهمها فلو كانت الحياة بلا نهاية لفقدت قيمتها ولأصبح المعنى فائضًا عن الحاجة.

الفلسفة في هذا السياق لا تسعى إلى طمأنة زائفة، ولا تقدم عزاءً سهلًا إنها لا تنكر قسوة الواقع، ولا تهرب من حتمية الموت ولا تجمّل هشاشة الروح لكنها تفعل ما هو أعمق : تجعل الإنسان قادرًا على الوقوف في قلب هذه التناقضات دون أن ينهار إنها تعلّمه كيف يرى الواقع دون أوهام ويصنع المعنى دون كذب ويعترف بالموت دون استسلام وحين نصل إلى ما يُسمّى بالخاتمة ندرك أن الفلسفة لا تعرف الخواتيم فكل فكرة تقود إلى فكرة وكل جواب يفتح سؤالًا جديدًا والفلسفة ليست طريقًا يوصل إلى يقين نهائي بل مسارًا دائمًا من اليقظة.

إنها ليست وعدًا بالخلاص بل تدريب طويل على العيش بوعي ومسؤولية أن تعيش وأنت تعرف أن الحياة هشة وأن المعنى صعب وأن الموت قادم، ومع ذلك تختار أن تكون صادقًا وأن تمنح وجودك قيمة
وفي عالمٍ يتجه نحو التسطيح نحو الاستهلاك السريع للأفكار وتحويل الإنسان إلى وظيفة والروح إلى عبء والمعنى إلى شعار تعود الفلسفة لتؤكد أن الإنسان ليس ما يملكه ولا ما يُطلب منه بل ما يسأله ويختاره ويصمد من أجله إنها ترفض أن يكون الإنسان مجرد رقم في نظام أو ظلًّا في واقع أو كائنًا يعيش بلا وعي وهكذا بين الواقع والمعنى وبين الروح والموت تظل الفلسفة الجسر الوحيد الذي لا ينهار لأنه مبني من السؤال لا من اليقين ومن الشجاعة لا من الطمأنينة الكاذبة وإنها الصوت الذي يقول للإنسان : قد لا تفهم كل شيء، وقد لا تنتصر دائمًا، لكنك تستطيع أن تعيش بوعي وأن تمنح حياتك معنى وأن تواجه موتك وأنت لم تخن روحك وهذا في جوهره هو الانتصار الفلسفي الأخير.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد