منبر العراق الحر :…
قد نكون بالفعل أمام لحظة مفصلية في تاريخ الصراع الأمريكي–الإيراني لحظة لا تُقرأ بعين الانفعال ولا تُفسَّر بمنطق الحرب الشاملة بل تُفهم ضمن سياق أكثر تعقيدًا سياق الضربة المحدودة المسيطر عليها الضربة التي لا تهدف إلى إسقاط النظام دفعة واحدة ولا إلى إشعال المنطقة بل إلى إعادة ضبط ميزان القوة وترميم مصداقية التهديد الأمريكي وفتح باب التفاوض من موقع القوة لا من موقع التوسل أو الانتظار وفي هذا الإطار يمكن فهم احتمالية ضربة عسكرية أمريكية سريعة ومحدودة ضربة تبدو في ظاهرها تصعيدًا لكنها في جوهرها خطوة محسوبة بدقة ضمن معادلة سياسية أكبر معادلة تقوم على الضغط القصوى يسبق التفاوض ولا يلحقه.
الحديث عن كون الضربة متفقًا عليها أو على الأقل منضبطة بسقف واضح لا يعني وجود اتفاق معلن أو تفاهم مكتوب بل يشير إلى تقليد راسخ في إدارة الصراعات بين القوى الكبرى حيث تُستخدم القنوات الخلفية والوسطاء الإقليميون والدوليون لإيصال رسائل دقيقة تتعلق بنطاق الاستهداف وحدوده ونوعية الأهداف والمدة الزمنية للعملية وذلك بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة غير مرغوبة وهذا النمط من الضربات لا يهدف إلى شلّ الدولة المستهدفة بالكامل بل إلى إيلامها في نقاط محددة رمزية أحيانًا، وعملية أحيانًا أخرى بما يسمح للطرفين بالادعاء بتحقيق مكاسب دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.
في هذا السياق يصبح الربط الذي أطلقه دونالد ترامب بين قمع المتظاهرين داخل إيران وبين استهداف أجهزة القمع والأمن الداخلي ربطًا سياسيًا بامتياز لا أخلاقيًا كما قد يبدو للوهلة الأولى فالولايات المتحدة لا تتحرك بدافع الدفاع عن حقوق الإنسان بل تستخدم هذا الملف كرافعة ضغط إضافية وكذريعة سياسية قابلة للتسويق داخليًا وخارجيًا تسمح لها بتوجيه ضربة محسوبة دون الظهور بمظهر المعتدي.
الضربة هنا تتحول إلى رسالة مزدوجة رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن كلفة القمع لم تعد داخلية فقط ورسالة إلى النظام بأن أدواته الصلبة لم تعد محصنة من الاستهداف المباشر ومن الخطأ الاعتقاد أن مثل هذه الضربة ستكون إسرائيلية الطابع أو القرار فإسرائيل وإن كانت معنية بالنتائج، إلا أنها لا تملك القدرة ولا الشرعية لإدارة ما بعد الضربة.
الضربة إن حدثت ستكون أمريكية خالصة لأن الولايات المتحدة وحدها القادرة على تحويل العمل العسكري المحدود إلى منصة تفاوضية وعلى ضبط إيقاع التصعيد والتهدئة في آن واحد والضربة الإسرائيلية لو وقعت ستدفع المنطقة فورًا نحو ردود فعل غير محسوبة بينما الضربة الأمريكية تحمل في طياتها عرضًا سياسيًا غير معلن، مفاده أن باب التفاوض مفتوح فور انتهاء الدخان.
بعد الضربة لن يكون هناك متسع للمناورة الكلامية أو للملفات الجانبية سيكون السؤال الأمريكي واضحًا فظًا مباشرًا خاليًا من المجاملات الدبلوماسية: هل قررتم التخلي عن برنامجكم النووي والصاروخي أم لا؟ والتخلي هنا لا يُفهم بوصفه تعهدات مستقبلية أو التزامات قابلة للتأويل بل بوصفه إجراءات ملموسة تبدأ بتسليم اليورانيوم المخصب فوق النسب السلمية وتمر بفتح المنشآت النووية أمام إشراف أمريكي مباشر، ولا تنتهي إلا بتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية ضمن آلية دقيقة وشفافة وقابلة للتحقق الكامل بمعنى آخر المطلوب هو نزع جوهر القوة الردعية الإيرانية، لا تعديل سلوكها فحسب.
إذا ما اختارت إيران الإجابة بنعم، فإنها تدخل مسارًا بالغ الخطورة مسار يبدو في ظاهره مخرجًا من العقوبات والعزلة لكنه في عمقه طريق طويل نحو الإضعاف البنيوي والتجربة الليبية لا تزال ماثلة أمام الأذهان حيث لم يؤدِّ التخلي عن البرنامج النووي إلى حماية النظام بل إلى تعريته تدريجيًا من عناصر قوته وفتح أبوابه أمام الضغوط السياسية والاقتصادية وصولًا إلى لحظة الانهيار.
القبول بالشروط الأمريكية قد يمنح النظام الإيراني وقتًا إضافيًا لكنه في الوقت نفسه يزرع بذور التفكك الداخلي ويعيد تشكيل موازين القوة داخل الدولة والمجتمع على نحو يصعب السيطرة عليه لاحقًا
أما إذا اختارت إيران الرفض فإنها لا تختار بالضرورة الانتحار السريع بل تختار الدخول في معركة استنزاف شاملة معركة متعددة الوجوه والجبهات تبدأ باحتجاجات داخلية أكثر عنفًا واتساعًا وتستمر بعقوبات اقتصادية أشد قسوة وخنقًا ولا تستبعد في مراحل لاحقة مواجهات عسكرية أوسع، مباشرة أو بالوكالة وفي هذا السيناريو يصبح النظام أمام اختبار وجودي حقيقي حيث يتحول الصراع من كونه صراع سياسات إلى صراع بقاء وتتحول الضربة المحدودة من أداة ضغط إلى شرارة لمسار طويل ومكلف
ومع ذلك يبقى عنصر عدم اليقين حاضرًا بقوة وهو عنصر يرتبط بشخصية دونالد ترامب نفسه ذلك الرئيس الذي لا يلتزم دائمًا بقواعد التوقع التقليدي والذي قد يقرر في لحظة ما الذهاب مباشرة إلى التفاوض دون أي فعل عسكري مسبق أو على العكس قد يختار تنفيذ تهديداته بشكل مفاجئ وسريع. مع ترامب تبقى المفاجأة جزءًا من الاستراتيجية ويبقى كسر التوقعات أداة من أدوات الضغط النفسي والسياسي ليس فقط على الخصوم بل حتى على الحلفاء.
في المحصلة نحن لا نقف أمام ضربة عسكرية محتملة فحسب بل أمام مفترق طرق تاريخي يعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة وإيران أمام خيارين أحلاهما مر والولايات المتحدة أمام قرار يتعلق بمستقبل نفوذها ومصداقيتها والمنطقة بأسرها أمام مرحلة قد تُكتب فصولها القادمة إما على طاولة المفاوضات أو في ساحات الصراع المفتوح وما بين الاحتمالين يبقى العالم مترقبًا لا ينتظر فقط ما إذا كانت الضربة ستقع بل ينتظر ما إذا كان العقل السياسي سيتقدم خطوة على منطق القوة أم أن القوة ستفرض نفسها مرة أخرى بوصفها اللغة الأخيرة للتاريخ.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر