منبر العراق الحر :
رغم أن ما يُتداول حتى الآن لا يتعدّى كونه تسريباتٍ إعلامية لم يؤكدها أي طرف رسمي، فإن الحديث عن اختبارٍ إيراني ناجحٍ لصاروخ بالستي عابرٍ للقارات، قيل إنه وصل إلى هدفه في سيبيريا بتنسيقٍ وموافقةٍ روسية، أثار قلقاً واسعاً في الأوساط المعادية للجمهورية الإسلامية والداعمة للكيان الصهيوني. وهذا القلق لا يبدو مبالغاً فيه إذا ما وُضع الحدث في سياقه الاستراتيجي، ولا سيما في ظل حالة الغموض المقصودة التي ترافق البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين.
إن دقة التسريب وتوقيته، إضافة إلى الصمت الرسمي، توحي بأن ما يجري قد يكون خطوة ذكية ومحسوبة تسبق الإعلان عن امتلاك ما يمكن تسميته بـ«الجدار النووي». فالقوة النووية لا تكتمل قيمتها الردعية ما لم تُدعَم بوسائل إيصال عابرة للقارات، كالصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى أي نقطة في العالم. ولا معنى عملياً لامتلاك قنابل أو صواريخ لا تستطيع بلوغ أرض الخصم، لأن الردع في جوهره قائم على القدرة الفعلية على التدمير، لا على النية وحدها.
من هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل نحن أمام مرحلة تمهيدية تسبق الإعلان الرسمي عن امتلاك الجمهورية الإسلامية للسلاح النووي، لطالما حلمت به الكثير من الشعوب الإسلامية؟ أم أن ما يحدث يندرج ضمن إطار الحرب الإعلامية والنفسية، الهادفة إلى فرض معادلات ردع جديدة دون الوصول إلى لحظة الإعلان الصريح؟
ويكتسب هذا التساؤل ثقله من واقع أن الجمهورية الإسلامية، خلال العامين الماضيين، قلصت إلى حدٍّ كبير حجم المعلومات المعلنة حول برنامجها الصاروخي والنووي، في مقابل تصاعدٍ واضح في نبرة الخطاب الإعلامي الإيراني المتعلق بـ«قوة الردع». وهذه المؤشرات مجتمعة قد تعكس امتلاك طهران لقدرات ردعية متقدمة، أو على الأقل اقترابها من العتبة النهائية.
وقد يطرح البعض إشكالية دينية مفادها أن النظام الحاكم في إيران نظام إسلامي، وأن امتلاك السلاح النووي محرم شرعاً. غير أن القاعدة الفقهية المعروفة تنص على أن «الضرورات تبيح المحظورات»، وهي قاعدة أصولية مستمدة من النص القرآني في قوله تعالى:
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
وعليه، فإن امتلاك سلاح ردع نووي يُعد ضرورة، بل ضرورة قصوى، إذا كان يحقق حماية الأمة ويدافع عن المستضعفين، خصوصاً في مواجهة عدو لا يؤمن إلا بمنطق القوة. فالسلاح الذي يمنع الاعتداء ويُفشل المشاريع الخبيثة الموجّهة ضد الأمة يُنظر إليه من زاوية الضرورة لا الاختيار.
إن امتلاك الجمهورية الإسلامية لسلاح ردع نووي – إن صحّ ذلك – لا يعني بالضرورة تهديداً للمنطقة، بل قد يُقرأ على أنه عامل استقرار قائم على توازن الرعب، ولا سيما في ظل وجود كيان استعماري يُشبه الغدة السرطانية المزروعة في قلب الأمة، ويمتلك أسلحة فتاكة لا يردعها سوى هذا النوع من القوة، كما أثبتت تجارب دولية سابقة.
وفي الختام، فإن ما تشهده الساحة الدولية اليوم يؤكد أن ميزان القوة هو العامل الحاسم في حماية الدول وصون سيادتها، خاصة في عالم لا تحكمه القوانين بقدر ما تحكمه معادلات الردع. ومن هذا المنطلق، فإن امتلاك الجمهورية الإسلامية لسلاح ردع نووي لا يُعد تهديداً، بقدر ما يمثل ضمانة للأمن والاستقرار في المنطقة، ورسالة واضحة بأن الأمة قادرة على حماية نفسها وفرض احترامها. إن وجود قوة ردع إسلامية متوازنة، قائمة على منع العدوان لا السعي إليه، يبقى أملاً مشروعاً وتمنياً صادقاً لكل من يؤمن بحق الشعوب في الدفاع عن نفسها والحفاظ على كرامتها وسيادتها
منبر العراق الحر منبر العراق الحر