منبر العراق الحر :
في زمنٍ اختلّت فيه الموازين، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهدٍ عبثي لم نعتد عليه من قبل؛ واقعٌ يدمي القلوب ومسرحياتٌ مفبركة تُعرض فصولها جهاراً نهاراً على خشبة مجتمعنا. لم يعد التزييف مجرد استثناء عابر، بل صار لدى البعض “منهج حياة”، تُحاك فيه المؤامرات الصغيرة وتُغلَّف الأكاذيب ببريقٍ زائف لإقناعنا بأن الهزل جد، وأن الباطل حق.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الأزمات الاقتصادية أو السياسية فحسب، بل تلك النماذج “الفيروسية” من البشر؛ أناسٌ يتسللون إلى حياتنا ونفوسنا دون استئذان، كما يتربص الفيروس بالجسد الضعيف. لا يحملون في جعبتهم سوى التملق، ولا يتقنون سوى فن الاختراق للوصول إلى مآربهم، مخلفين وراءهم دماراً نفسياً واجتماعياً لا تداويه الأيام بسهولة. وجودهم ليس صدفة، بل نتيجة فراغٍ أخلاقي سمح لهم بالتمدد في مساحات الثقة.
في هذا المناخ الملبّد بالنفاق، تعرضت الكلمة الصادقة لعملية اغتيال مع سبق الإصرار والترصد. كانت الكلمة يوماً ميثاقاً يُصان وعهداً يُحترم، لكنها تحولت عند البعض إلى أداة للمراوغة والتلاعب. حين تسقط قيمة الكلمة يسقط معها الصدق، وتتحول العلاقات الإنسانية إلى صفقات باردة تفتقر إلى الروح والمعنى. يصبح الوعد مجرد وسيلة عابرة، ويغدو الوفاء حالة نادرة في زمن يصفق للبراعة في الخداع أكثر مما يحتفي بالصدق.
أما الوجع الأكبر فيكمن في أولئك الذين استمرأوا بيع ضمائرهم بأبخس الأثمان. إننا نعيش في سوق نخاسة أخلاقي، تُعرض فيه المبادئ للمزايدة، ويُباع الضمير مقابل منصب زائل أو مصلحة عابرة أو إرضاء لغرور زائف. هؤلاء الذين تخلوا عن جوهرهم الإنساني لم يدركوا بعد أن ما ربحوه من حطام الدنيا لا يعوض ذرة من كرامة فُقدت في وحل التلاعب، فخسارة الذات أفدح من خسارة أي مكسب عابر.
نعلم جيداً أن كتابتنا قد لا تغيّر من هذا الواقع شيئاً، وقد لا توقف زحف الزيف ولا تعيد ترتيب الموازين المختلّة، لكننا نكتب لنفرغ ما في جعبتنا، لنحمي ما تبقى من نقاء في دواخلنا، ولنقول إن الصمت لم يكن خياراً. فالكتابة ليست دائماً أداة تغيير فوري، بل هي أيضاً فعل مقاومة هادئة، وشهادة حق في زمن يضج بالضجيج.
إن هذا الواقع، رغم قسوته، يضعنا أمام مسؤولية كبرى؛ ألا نسمح لهذه المسرحيات أن تتحول إلى قاعدة، وألا يصبح التزييف معياراً نقيس به نجاح الأشخاص. حماية ما تبقى من صدق في نفوسنا هي الترياق الوحيد لمواجهة هذا الفيروس الأخلاقي. قد يكون ما نعيشه اليوم هزيلاً ومفبركاً، لكن الحقيقة، مهما توارت خلف الأقنعة، ستظل الصخرة التي تتكسر عليها كل الأوهام.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر