منبر العراق الحر :
قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

وباء صامت
يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease – MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.
وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.
ماذا اكتشف الباحثون؟
اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.
ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.
ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟
لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.
ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟
إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.
وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.
ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.
وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.
كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.
من علاج المرض إلى درئه
ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.
ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.
وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».
- لندن: د. عميد خالد عبد الحميد
- الشرق الاوسط
منبر العراق الحر منبر العراق الحر