منبر العراق الحر :
قدمت الدراما المصرية في شهر رمضان هذا العام نحو ثلاثين مسلسلاً، إلا أن نسبة الأعمال الجيدة فنياً ودرامياً لم تتخطّ أصابع اليد الواحدة، فعُلقت الآمال على النصف الثاني من الموسم ومسلسلاته القصيرة، لعلها تنقذ ما أفسدته البداية العشوائية للسباق، وهو ما تحقق بالفعل -إلى حد ما- بالرغم من قلّة المسلسلات المشاركة في الجولة الثانية، والتي تصل الى سبعة تقريباً بما فيها مسلسل من عشر حلقات فقط لأحمد السقا، وهو من إخراج أحمد نادر جلال وتأليف هاني سرحان.
منى زكي من جديد
في رمضان الماضي، أثار مسلسل “فاتن أمل حربي” الكثير من الجدل في الشارع المصري، حتى أن بعض التحركات البرلمانية طالبت بتعديلات تشريعية في ما يخص قانون الأحوال الشخصية، وقد تعرض المسلسل لمشكلة كثيراً ما تعاني منها المرأة في ما يخص الأبناء بعد الطلاق.
وهذا العام، ثمة مسلسل آخر تناول جانباً من المشكلة النسوية متعددة الأبعاد، وكان أكثر أحكاماً وتركيزاً عما سبقه سواء على مستوى القصة والدراما أو الأداء والإخراج والتصوير، وقد تميزت بطلة العمل بشكل يختلف كلياً عن تجربتها السابقة بروح أكثر نضجاً وحرفية.
يناقش مسلسل “تحت الوصاية” الأزمات المرتبطة بقانون الولاية المصري والذي لم يجر عليه أي تعديلات منذ خمسينات القرن الماضي تقريباً، يعطى قانون الوصاية للجد أو العم في حال وفاة الأب، وفي الوقت نفسه يُجرد الأم من كل الحقوق المادية في مراقبة ومتابعة ميراث أطفالها حتى يصلوا الى السن القانونية، من هنا يخلق السيناريو حدثاً ثورياً تقوم به الأم المنهوبة من جد ولديها وعمهما “حنان” (منى زكي)، حين تقرر سرقة مركب الوالد المتوفى والبدء بمفردها من جديد بعيداً عن أعين القانون أو هي عين السلطة الأبوية تجاه المرأة التى لا تريد التخلص كلياً والانصياع للمعطيات الجديدة لعصر باتت المرأة فيه -حتى في وجود الزوج- هي المعيلة الأساسية للكثير من البيوت.
يشترك في البطولة كل من نسرين أمين وأحمد خالد صالح الذي نجح في التخفف من شبح أبيه النجم الراحل خالد صالح، والعمل من تأليف خالد وشيرين دياب، أما الإخراج فهو لمحمد شاكر خضير. ولا شك في أن المخرج قدم عملاً يصل بدرجة كبيرة الى حد الاكتمال الفني، بداية من السيناريو الذي ابتعد كثيراً عن المط أو التطويل متماشياً تماماً مع جرعته المركزة في 15 حلقة -رغم أن التقدم في الأحداث القليلة تم ببطء ومن دون نمو يُذكر للشخصيات- ومروراً بالديكور (محمد عطية) والملابس (ريم العدل)، ثم براعة مدير التصوير بيشوى روزفلت، بمشاركة المخرج في صناعة العديد من الكادرات والمناظر الفنية الجيدة.
أما عن عنصر التمثيل، فقد برع معظم فريق العمل تقريباً في صناعة حالة تشبه السيمفونية يعزف كل من فيها بطريقته وفي أمثل صورة، سواء على مستوى الأدوار الثانوية أو البطولة بجانب الظهور المميز للطفل عمر شريف (ياسين)، وهو ما يبرهن على براعة المخرج في توجيه ممثليه، ولا ننسى في ذلك أيضاً دور هام للمونتير أحمد حافظ الذي لولا مونتاجه الجيد المصنوع بحرفية عالية ما خرجت الصورة بما هي عليها.
على أن اختيار عالم البحر والصيادين -حتى وبالصدفة- كان ملائماً جداً لفكرة المسلسل، فكما هو معلوم أن عوالم البحر مهولة يبتلع فيها الكبار صغار الأسماك وأيتامها، إلا أن وسط ذلك تلوح فرصة للحياة حتى وإن تطلبت مخاطرات غير محمودة العواقب، كي لا تبقى أثيرة انتظار عين العطف من القانون والمجتمع وفي ذلك يُذكر في المقدمة -على سبيل المثل- القوانين الخاصة بالمواريث بين الذكر والأنثى ومدى تشبث الذكر بحقوقه القديمة خصوصاً أن تجديد الخطاب الديني في هذا الشأن سينال من نصيبه المتوارث، وهو ما سيحارب من أجله لآخر رمق كما يقال.

الفكرة وحدها لا تكفي
مسلسلان آخران حظيا بالإعجاب منذ عرض الحلقات الأولى، الأول من بطولة منة شلبي “تغيير جو”، وتأليف منى الشيمى وإخراج مريم أبو عوف، وتدور أحداثه بين مصر وبيروت، حيث تصادف “شريفة” المتاعب أثناء محاولتها بيع شقة عائلتها.
أما المسلسل الثاني فهو “جت سليمة” من بطولة دنيا سمير غانم، وتأليف كريم يوسف وإخراج إسلام خيري. تدور أحداثه في عالم من الفانتازيا والخيال حين تنتقل “سليمة” عبر الزمن بواسطة كتاب قديم مسحور كان ضمن محتويات مكتبة والدها، يتشابه المحرك الدرامي في المسلسلين حول فكرة البيع “الشقة والمكتبة” وإن كان في الحالة الأولى برغبة الشخصية وفي الحالة الثانية رغماً عنها، إلا أن البيع لا يتم في الحالتين.
لم تكن الحلقة الأولى لمسلسل “جت سليمة” على أحسن حال؛ حتى أنها كانت مخيبة للآمال، خصوصاً مع التشابه الواضح في الأداء والغناء والاستعراضات مع الدور المميز لدنيا سمير غانم في مسلسل “نيللي وشريهان”، ولكن من الحلقة الثانية بدأت الأمور تتضح وظهر الأداء المبهر والمغاير للفنان خالد الصاوى (السلطان طمعان)، وهو دور يجمع بين الكوميدي والشر مُستلهماً الفكرة العتيقة للملك الظالم.
تميّز محمد سلام أيضاً بأداء مميز بعد عدد من الأدوار المتوالية التي لم تكن في صالحه. ومع ذلك بدأت الأمور في الانحراف عن المسار وهيمنت العشوائية، والتصنع أحياناً على سير الأحداث.
.jpg)
الأمر نفسه ينطبق على مسلسل “تغيير جو” الذي جذبت الحلقة الأولى المشاهدين بسهولة على عكس “جت سليمة”، حتى أن بعض التوقعات اتجهت إلى أن الحصان الرابح سيكون من نصيب منة شلبي، قبل أن تنقلب الدفة لمصلحة منى زكي بعد حلقات عدة، إذ تبين للمشاهد افتقاد “تغيير جو” للقصة أو الحبكة الدرامية، فمعظم سير الأحداث اللاحقة لا يتم فيها أي تطوير أو تنامٍ يُذكر، ما عدا بعض التنويعات على حدث وحيد.
ومع ذلك، كان للفنانة “شيرين” حضورها اللافت والجديد في تجسيد دور الأم المريضة نفسياً في قالب كوميدي إنساني رهيف، ابتعد كثيراً عن الافتعال أو المزايدة على مشاعر المتفرج.
الى جانب ذلك نجد أيضاً بعض الأفكار التي لم تُخدم جيداً، مثل مسلسل “كشف مستعجل” بطولة مصطفي خاطر ومحمد عبد الرحمن وهنادي مهنا، والتأليف لإيهاب بليبل والإخراج لشادي الرملي.
تدور أحداث المسلسل في إطار “لايت كوميدي”، تميل إلى حدّ ما لتقديم قصة أو مغامرة جديدة في كل حلقة، متتبعين الرحلة العجيبة للبطلين مصطفى خاطر ومحمد عبد الرحمن، ومنذ الحلقة الأولى نتورط في الحكاية حين يقصد “الشيف يوسف” الدكتور “سهام عز الرجال”، الطبيب الفاشل لكي يعالجه من إدمانه على القتل، فهو عصبي لدرجة خطيرة تجعله لا يحتمل سخافة الآخرين. المسلسل الثاني يدور في إطار من الغموض والإثارة “الصندوق” من بطولة ثلاثية: أحمد داش، علي قاسم، هدى المفتي، وتأليف مصطفى صقر وإخراج مروان عبد المنعم في أولى تجاربه.

“تلت التلاتة”
تصدرت كلمة “العودة” جميع الأخبار تقريباً في الإعلان عن مسلسل “تلت التلاتة” من بطولة غادة عبد الرازق وتأليف هبة الحسيني وإخراج حسن صالح، في اشارة الى عودة بطلة العمل، رغم أن فترة ابتعادها عن الدراما لم تتجاوز موسماً رمضانياً واحداً، بحيث كانت آخر مشاركات عبد الرازق في رمضان 2021 عبر مسلسل “لحم غزال”.
وللمصادفة قامت غادة في المسلسل بتجسيد شخصيتين الأمر الذي تزيده هذا العام بشخصية ثالثة ولكن في صورة توأم ثلاثي “فريدة، فريال، فرح”، يشكلن معاً المحور الدرامي الرئيسي لسير الأحداث في إطار من “الإثارة والتشويق” كما ردد صُناع العمل في أكثر من مناسبة، الأمر الذي لم نجده على أرض الواقع.
نجد أيضاً، أن معظم مشاهد المسلسل وكادراته كانت مختنقة إلى حد كبير، فقد غلبت اللقطات الضيقة على جميع المشاهد تقريباً وانحصرت حركة الكاميرا بين التقريب والتبعيد من دون مبرر درامي أو فني، وهو ما فضح بشكل أكبر التصنع والمبالغة في الأداء التمثيلي لغالبية طاقم العمل وفي مقدمهم البطلة، وتجدر الإشارة إلى اختلاف أداء أحمد مجدي ومي سليم عن تجاربهما السابقة حتى وإن كان بشكل طفيف.
تتبع غادة عبد الرازق في أعمالها الأخيرة سياسة “الكتابة المُفصلة” المكتوبة خصيصاً لأسم النجمة، إلا أن هذا الأسلوب كثيراً ما يحصر الفنان في عدد من الأنماط الثابتة تنتقل معه من حكاية لحكاية ليس إلا، وهو موضوع ليس بجديد على تاريخ الدراما أو السينما، فكم من السيناريوات كتبت خصيصاً لنجوم كبيرة، وتم تشكيلها بما يتوافق مع إمكانات النجم أو طموحاته أيضاً، إلا أن معظم هذه الأعمال لم تكن سوى محطات ضعيفة في تاريخ النجم، وبعضهم أقرّ بذلك أو تبينه لاحقاً وعدل عن خوض المغامرة من جديد.
في مداخلة مع إحدى القنوات، أفادت غادة عبد الرازق بأن الدافع وراء قبولها فكرة المسلسل كان رغبتها في التحدى الذي قررت خوضه مع نفسها، موضحة كيف كان المسلسل مكتوباً في 30 حلقة وتم تقليصة الى النصف بعدما طرح المخرج الأول المرشح للعمل تخوفه من خوض التجربة نظراً الى ضيق الوقت.
وائل سعيد—النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر