قبلَ أن يفرَّ العالم من ضجيجِهِ ___ ميرفت ابو حمزة

منبر العراق الحر :
قبلَ أن يفرَّ العالمُ من ضجيجِهِ نحو العدَمِ
أريدُ أن أراهُ من بعيدٍ ولو لمرةٍ واحدةٍ
كأنْ أتعلّقَ بخيطِ نجمةٍ كي تسحبَني إليها
فأقولَ لها : عانقيني وأجِّلي احتراقَنا
إلى أن أصبحَ آلهةً وأرتّبَ تفاصيلَ الكونِ من جديدٍ ..
الأبنيةَ والغاباتِ والشوارعَ ..
البيوتَ العشوائيةَ وغوايةَ السقوطِ ..
أريدُ أن أُمسِكَ خيوطَ الشمسِ والقمرِ والكواكبِ
وأربطُها بكفّي
أن أعيدَ المياهَ إلى فطرتِها الأولى
وكلَّ من ماتوا إلى الحياةِ ..
وكلَّ الحروبِ وكلّ الجنودِ وكلَّ الحكّام ..
أن أُقيلَ حاكماً عن كرسيهِ وأُجلِسَ بدلاً منهُ كلباً أو ذئباً
ليتَ بإمكاني التدخّلَ بالزمنِ ..
بِعدّادِ عمرِ جنديٍ ينتظرُ عودتَه إلى أمهِ أو عروسهِ
بعمرِ امرأةٍ باغتَها الموتُ أثناءَ الولادة
بعمرِ قبلةٍ أو غَمْرةٍ بين حبيبين
بالوقتِ بين فراملِ سيارةٍ وطفلٍ يلعبُ على الطريقِ
بلحظاتِ الوداعِ التي تبتلعُ الكلماتِ
كثقبٍ أسودَ في فضاءِ المواقفِ المهيبة ..
بمنحِ زمنٍ يكفي لهروبِ جسدٍ قبلَ أن تثقُبَهُ رصاصةٌ ..
قد يبدو الأمرَ جنونياً كاللعبِ على “السكوتر” في خطٍ سريعٍ
أو كفكرةٍ في إيقافِ الجاذبيةِ تحتَ قذيفةٍ
أريدُ أن أكتبَ نصاً من الأعلى ..
أن أجلسَ وأتحدثَ مع بودلير وموزارت وشكسبير وبتهوفن ..
كي أحيطَ بكلِّ الكلماتِ والألوانِ والموسيقا والأشياءِ والأماكن ..
أريدُ أن أوثّقَ كلَّ أحاديثِ الماءِ والترابِ والنار والهواء ..
أريدُ أن أُقرِئَ الأرضَ وصايا السّحابِ المسافرِ
أريدُ أن أدحرَ فكرةَ المخلِّصِ وأزرعَها روحاً بكلّ نفسٍ ..
إنه الجنونُ الواعي الذي لا يُفسَّرُ..
الجنونُ الرائي والمرئيُّ والمرويُّ بماءِ فكرةٍ !
قبلَ أن يفرَّ هذا العالمُ من ضجيجِه نحو العدم ..
أريدُ أن أكونَ جزءاً من نقطةِ البدايةِ
أريدُ أن أكونَ حجرَ العثرةِ في ( كنْ فلا يكون ) ..!
لستُ حقيقيةً ولستُ وهماً ..يا للغرابة !!
لطالما راودني هذا الشعورُ الفظيعُ !
أنا لستُ إلا مجموعةَ رسومٍ متحركةٍ
أرسمُني وأحركُني وأعيشُ مشاعري على الورقِ ..لا أكثر !
أيها الربُّ : أنا لستُ حقيقيةً كي تحاسبَني ..
أنا عتمتُكَ المضيئةُ ..
سرابُكَ الرطبُ ..
قوّتُكَ الواهنة ..
قدرتُكَ العاجزةُ ..
وأنتَ أيها الجنرالُ الوغدُ ..أنا لستُ حقيقيةً ..!
أنا جوابُ وعدِكَ الكاذبِ ..
ضلالتُكَ الهاديةُ ..
قسوتُكَ اللينةُ ..
غباؤك الحكيمُ ..
بالله قلْ لي : هل فكّرتَ في أن تكونَ جداراً في سجنٍ. ؟
هل جرّبتَ أن تكون قيداً في معصمٍ ؟
أو قهقهةَ سجينٍ انفجرَ حزنُهُ ضحكاً !
أو وطناً في ضميرِ خائنٍ ..
هل جرّبتَ أن تكونَ سكةً لقطارٍ أو مجرّدَ محطة ؟
هل جرّبتَ أن تكونَ ستارةً في غرفةِ نومٍ لامرأةٍ وحيدة !؟
أو مرآةً تكدّسُ الوجوهَ في سرِّها ولا تحكي ..
هل جرّبتَ أن تكونَ خزانةً قديمةً يتوارثُها الأبناء !؟
هل جرّبتَ أن تكونَ مسافةً أو مدىً ؟
هل جرّبتَ أن تكونَ بحراً أو شراعَ سفينةٍ
أو طُعماً في سنارةِ صيدٍ؟
هل جربتَ أن تكون صراخَ طفلٍ في حضنٍ غريبٍ؟
أو نَفَساً محموماً في صدرٍ حزينٍ ؟
أن تكونَ بيتاً مهجوراً في حرشٍ موحشٍ
أو نافذةً محطمةً أمامَ البردِ والريح ؟
هل جرّبتَ أن تكونَ فريسةً تحتَ أنيابِ العتمة؟
أو ظلَّ شجرةٍ يتلاعبُ به الضوء ؟
هل جربتَ أن تكون ماءً في جدولٍ ؟
أو ذبيحةً بين يدي جزارٍ ..!
أنا لستُ حقيقيةً كي تحاسبَني يا اللهُ ..
فأنا مجموعةُ أرواحٍ مضرجةٍ
ت
ن
ز
فُ
بعضَها
تبعاً من جسدٍ واحد ..
______________________________
ميرفت أبوحمزة من ديوان “كنتُ أرى”

اترك رد