عذراء ولكن ……. هند زيتوني

منبر العراق الحر :
الطفل الذي أنجبتهُ حين أغواني الشعر ، هربَ إلى مكانٍ بعيد ، بعد أن رأى الأهوالَ من نافذة

العالم ؛
فبقيتُ وحيدةً ، أتسكّع في دهاليز القصائد.
أكتبُ رسائل طويلةً جداً ، فربما أجدني ذات يوم ، فأقرأ ما كتبتُ وأهدأ.
لم أكن عذراء في يومٍ من الأيام ؛ لأنني كنت أماً لعددٍ كبيرٍ من مساكين الأرض واليتامى .
فقد أطعمتهم خبزاً من طحين ذكرياتي البائسة
وقصصت عليهم قصصًا ، تحكي عن البحر الذي ابتلعته الحيتان ؛
وإنانا التي دفنت تحت آلاف السنين من الطين . فقد بات يحرسها حارس الليل الوحيد . وبقيت

صلوات الكهنة ، تتخبط في الأرجاء الواسعة .
في غرفة الجلوس يجلس رجلٌ كهلٌ ، تصعد منه رائحة ذكورة الجسد الطاغية ، التي تنتشر في

أرجاء البيت، فتصيبني بالغثيان .
يتوقُ لكي أغسل قدميه المُتعَرّقتين بماءٍ مملح و دافئ ؛ بينما أنا أغرق بنهرٍ من التعاسة
يجلسُ في تلك الزاوية ، بعد أن التهم وجبته الكبيرة من الأرز واللحم ، ليسمع نشرة الأخبار يقرأ

الجريدة ، ينكش بقايا اللحم العالق بين أسنانه ، ويطلق ضحكته البلهاء على مسرحية قديمة كان قد

رآها عشرات المرات . أستمع أنا لأغنية الليدي غاغا في المطبخ ، وازدردُ بقايا قطع البيتزا

المتبقية في الطبق .
أصابعي تتلهف لمعانقة شابٍ عشقته ، عندما كنت في العشرين لهفةً من عمري ، حين كانت

السماء تمطرُ ورداً ونعيماً .
سرق قلبي ، وأنا قمت بسرقة بضع شعيرات من حقل صدره المترع بالسمرة الشهية .
تمرغت عليه يوماً كما تتمرغ فراشات الخطيئة .
كم قدحاً من النسيان سيلزمني لأتحرر من رائحة أنفاسك ، التي تمورُ في روحي كل يوم ؟
في حلمي الصغير وخيالي المجنون عشتُ معك وفيك أجملَ قصةَ حبٍ عذريةٍ ، لم يعرفها أحد
ربّما أنت لا تعرف يا سيدي بأنّ الأنثى الشرقية لا يسمحُ لها أن ترتدي عباءة الحب . لانّها تقع في

الإثم الكبير .لو فتحت باب قلبها سيدخلون إليه ويحطمون زجاجه . فتتشظى روحها ، وتشقى إلى

الأبد . وبالرغم من أنني كنت أؤمن بأنّ الأنثى إذا أحبّت بصدق ستدوس بحذائها على كل القوانين ،

وتحطّم أسوار قبيلتها لتحيا كما تحب .
الحب يستحقُّ أن نحارب من أجله ، أن نذوب تحت ثلوج جمره ، لأنه سيكون الوطن الجميل الذي

سنعيش تحت خيمته . الآن وبعد أن أصبحتُ بعيدةً عنك وفكّكت تلك الكرة
المتشابكة من لغز الحياة ، عرفت ان الحب شيءٌ محرمٌ في حياتنا .
الأنثى من الممكن أن تصبحَ زوجةً فقط ، تجلس قرب المدفئة لتحكي لطفلتها حكاية سندريلا

وتخبرها عن الأمير الذي جاء وأحضر فردة حذائها الضائعة ، ليأخذها إلى قصره الجميل . ذات

يوم سترتدي ثوب زفافها الأبيض ، وتنام بجانب زوجٍ لاتحبّهُ وربما تتزوج قاتلها ومغتصبها ،

لتهرب من لعنة الآباء والأجداد .
هكذا هي الأنثى في الشرق ، يا حبيبي تعشقُ في الحكايا والأساطير فقط .
تعيشُ قصص الحب الوهمية لكي لا تجّف وتسقط كورقة خريفية في مقتبل الشباب .
لكي لاتموت من الداخل وهي تمشي على قدمين وهميتين . تغمضُ عينيها كي لا يروا حبيبها
الذي سكن أحداقها منذ أن نبت أولّ برعم حبٍ في أحشائها .
أكتب رسالتي لكَ ، ولو أنّني أعرف جيداً ، أنّكَ لن تقرأها ولن تعرف متى كتبتها ولكن أعرف أن

عطرها سيرحل إليكَ ليحدثكَ عنها ، وعن كل الوجد الذي مازال يسكن كلّ جوارحي .ما كنتُ

لأعرفني لولاه .
وما كنتُ سأكتب حرفاً واحداً من تلك الأبجدية . لو لم تكن شمعة الأمل الذي تمنحني الضياء .
أنتظر ذلك الكهل ليحتسي كوباً من الشاى ، ويهجع ساعة بعد الظهيرة .
لأدخنّ بعض لحظاتي بعيداً عن كل شيء ، أريد أن أرتقي إلى سابع درجةٍ من سلّم أحلامي، أريد

أن أصهل قليلاً على خيل الحب حتى ولو أسرع وطار بي إلى آخر قبةٍ سماوية ، لأقع فتتهشم

أضلاعي أو أصاب بالجنون.
هند زيتوني

اترك رد