سيميائية العنوان ****** ثناء احمد

منبر العراق الحر :
العنوانُ هو الشِّيفرة الأولى، وهو من أهمِّ العتباتِ الدَّاخلية الموازية للنَّص الرَّئيسي، وهو المفتاح الضّروري لسَبر أغوار النّص والسَّفر في دهاليزهِ، وهو في كثيرٍ من الأحيان مَدخلاً للنّشاط القرائي.
وتأتي أهميةُ العنوانِ من كونه هو العتبةُ الأولى التي تُحدد هويةَ النَّصِ، ومن صلتهِ المُرتبطة بأفقِ انتظارِ القارئ، مع ملاحظة اختلاف الكتَّاب من حيث اهتمامهم بهذا الجَانب.
ويَحصر النَّاقدُ الفرنسي جيرار جينيت وظائفَ العنوانِ بوظيفة التَّحديد والوظيفة الوصفية والوظيفة الإيحائية والوظيفة الإثارية- الإغرائية، ويذكر أنّها يمكنُ أن تتوفر جميعها في عنوانٍ واحدٍ
وعند العرب كان للعنوان أهمية في مخطوطاتهم، فميزوه بلونٍ مختلفٍ كالمداد الأحمر أو الذهبي أو اختاروا له خطاً مغايراً لخطِّ النَّص المعنون.
لفظةُ سيماء في اللغة تعني العلامة أو الرَّمز الدَّال على معنى، وفي القرآن الكريم سورة الفتح 29
“سيماهم في وجوههم من أثر السُّجود”.
والدِّراسة السِّيميائية للعنوان تهتمُّ بمستويات عدَّة منها:
– المستوى الصَّوتي وربطه بالموضوع.
فبعضُ العناوين تُقدَّم بحروف مفخمةٍ وبعضها بحروف مهموسةٍ و بعضها الثالث يمزج بين النَّوعين ولكلِّ اختيارٍ دلالاتِه وإيعازاتِه.
– المستوى الثَّاني هو المستوى التَّركيبي ومعه نتساءلُ: هل هو كلمةٌ مفردةٌ أم جملةٌ؟ وهل جملةٌ أسميةٌ أم فعليةٌ؟ فعلها ماضٍ أم مضارع أم أمر ..؟ أهو جملةٌ خبريةٌ أم إنشائيةٌ ….؟
وعن المُستوى الثَّالث وهو المُستوى الدَّلالي الذي يَخفي المَعنى المُستتر من الكلماتِ ويدلُّ على المرجعيةِ الثَّقافية عند الكاتبِ والمُتلقي.
والعناوينُ قسمين مَركزية وفرعِية، منها ما هو واقعِي ومنها ما هو رمزي أو مجازي أو شاعري أدبي وآخر تاريخي أُسطوري وقد يكونُ وهمياً تِجارياً إِغرائياً أو ربُّما يشيرُ لزمان ما أو لمكان ما.
والأهمُّ في دراسةِ سيميائيةِ العنوان – من وجهة نظري – خاصيةُ التَّضمين التي تهتمُّ بالعلاقةِ بين العنوان ومتن النَّص، وتهتمُّ بمدى التَّعالق بين الاثنين.
فهل تضمَّنَ النَّص ألفاظاً أو لفظة العنوان أم اكتفى بالدَّلالة عليه؟ أو بصيغة أخرى كيف تمَّ هذا التَّضمين بشكل مباشر أم غير مباشر بمشتقات منه؟ فقد يكون للعنوان وظيفة توضيحية وقد يكون يمارسُ التَّضليل .
ونلاحظُ -على سبيلِ المثالِ- تكرارَ كلمةِ أو جملةِ العنوانِ أكثرَ من مرةٍ في العملَ الأدبي، ويبدو هذا جلياً.. واضحاً في النُّصوص الشِّعرية ، مما يعبّر في معظمِ الأحيانِ عن عمق الحالةِ النَّفسية للمبدعِ، ويبثُّ قوة تأثيرية في المُتلقي ويرسّخ المعنى، ويخلق إنسجاماً صوتياً إيقاعياً داخلياً، ويرسمُ حالةً جمالية، وسواء كان هذا التِّكرار تاماً أم جزئياً فإن لحضوره بُعداً داعماً وإيجابياً.
بالخلاصة -رأيي- لا يمكننا الحكم على العملِ المدروسِ من خلالِ هذا الجانبِ وحده، فالعتباتُ كثيرةٌ ولكلٍّ أهميته ودوره في خدمةِ المنجزِ الأدبي.

اترك رد