منبر العراق الحر :
أوجدت حرب غزة مساحة أكثر رحابة لمواقع التواصل الاجتماعي، وتعاظم دور صناع المحتوى ليطغى تأثيرهم بقوة على المشهد الجاري، ما سمح للشعب الفلسطيني الذي يواجه حرب إبادة جماعية أن يطرح سرديته في هذه الحرب، بعدما استحوذت إسرائيل سابقًأ، وأيضًا منذ بداية الحرب على فرض روايتها المضللة.
ظهر جيل جديد من صناع المحتوى والمؤثرين الفلسطينيين؛ وتحولوا بين عشية وضُحاها إلى مراسلي حرب من قلب المعركة، ومصدرًا رئيسًا للأخبار عبر حساباتهم على منصات فايسبوك وإنستغرام وإكس، وسلاحهم عدسات الكاميرا أو هواتفهم الذكية، ولمعت أسماء كثير منهم وبينهم معتز عزايزة، صالح الجعفراوي، بليستيا العقاد، بيسان، والصبي عبود الغزاوي وغيرهم.
غالبيتهم ليسوا إعلاميين محترفين، وبعضهم في بداية حياتهم المهنية، ولم يتلقوا التدريب اللازم بشأن تغطية مناطق النزاعات، ولكن ما عزز ثباتهم في نقل الأحداث أثناء القصف هو معاصرتهم حروبًا سابقة أثناء طفولتهم وصباهم في غزة.
هم لا ينقلون مجرد أخبار، بل يرصدون الجانب الإنساني والحياة القاسية لأهل غزة، فيقدمون صورة واقعية من دون أي شوائب، لكونهم يعايشون هذه المعاناة أيضًا، وبينما تدخل الحرب على غزة شهرها الثاني وسط حصار لا فكاك منه، أصبحوا هم المصادر الميدانية، يغطون من قلب القصف والأشلاء والحطام؛ فأمسوا أيقونات لهذه الحرب، وتابعهم الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليبقوا على اطلاع على ما يحدث على أرض الواقع.

المنصات الاجتماعية
كانت الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي هي المتنفس لشعب غزة المحاصر خلال السنوات الماضية، يتابعون عبرها العالم الذين لا يستطيعون الخروج إليه بسهولة، وأضحت هذه المنصات وجهته الأولى عند بداية الحرب الجارية لينقل للعالم ما يتعرض له عبر بث الصور والفيديوات التي توثق قتل الأطفال والمدنيين وقصف المستشفيات والكنائس.
هذا الاتجاه في التغطية فرضته ظروف الحرب التي ضيقت الحركة على المراسلين التقليديين، إذ تفرض عليهم الظروف الوقوف في أماكن معينة تناسب البث الذي يتطلب معدات ضخمة وتجهيزات معينة لا تناسب الكر والفر والنزوح، لكن هؤلاء المراسلين الجدد يستخدمون فقط هاتفًا حديثًا، ويقدمون متابعة آنية مباشرة لا ترتبط بأوقات بث الشاشات، فيمكنهم الكرّ والفرّ تحت وقع القصف، وبين أشلاء الضحايا المتناثرة، وصراخ الجرحي، وآلام المحتضرين لتوثيق المجازر والجرائم عن قرب، بل قد تلجأ وسائل الإعلام التقليدية لصور وفيديوات مراسلي أرض الواقع.

وجوه ارتبطنا بها
لم يعد البعض بحاجة إلى مطالعة المواقع أو الشاشات الإخبارية، مستعيضًا عنها بهذه المنصات، والتف الجمهور حول شاشات الهاتف لا التلفاز؛ ليعايشوا الأجواء معهم معايشة لحظية، وأصبح الجمهور مرتبطًا بهم، كما لو كانوا أحد أفراد عائلتهم، يدخلون لمتابعتهم ويعتريهم القلق لغيابهم ظنًا أنه قد أصابهم مكروه، ويجول المتابعون في صفحاتهم الشخصية ليتعرفوا على حياتهم ما قبل الحرب.
يأتي في مقدمة هؤلاء معتز عزايزة (24 عامًا)، مصور صحافي، زادت شهرته مع توثيقه للجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، كما أنه تصدر الترند ومؤشرات البحث بعدما ذهب للتغطية ليفاجَأ أن القصف استهدف عائلته وأودى بحياتهم، ولم يتبق من منزله سوى الركام والأشلاء ودميته الحمراء.
قبل الحرب، كانت أحلام عزايزة بسيطة، وهي السفر والترحال ومشاركة القصص من أنحاء العالم وممارسة التصوير الذي يحبه، لكن فجأة وجد نفسه في أتون الحرب يوثقها ويكون شاهدًا على بشاعتها بكاميرته، بعدما كان يرصد المظاهر الجمالية في غزة.
صالح الجعفراوي
ومن بين الوجوه البارزة، هناك صانع المحتوى صالح الجعفراوي، الذي يتسم بخفة الظل، كانت فيديوات هاتفه هي الأجرأ، إذ نقل القصف والجثامين والأشلاء، واستفز نشاطه الإعلامي قوات الاحتلال، وكان عنوانًا في الإعلام العبري الذي شن عليه هجومًا ضاريًا واصفًا ما يبثه الجعفراوي بالأكاذيب، رغم أنه يعرض محتواه على الهواء؛ ونظرًا لما يرصده من جرائم أدرج اسمه في القائمة الحمراء من الاستهداف. وكان صالح هو آخر المدونين الذين خرجوا من مجمع الشفاء الطبي عقب حصاره وقصفه، ونزح مع النازحين إلى الجنوب سيرًا على الأقدام لأكثر من 30 كيلومترًا، وثمة مناشدات لإخراجه من غزة لكونه مهدّدًا.

وهناك الصبي عبود الغزاوي (17 سنة) الذي يطمح لأن يكون صحافيًا، وحاول نقل الحرب بطريقة طريفة وساخرة، أقرب للكوميديا السوداء لتخفيف مأساوية الأوضاع، وتجاوز عدد متابعية المليون متابع منذ اندلاع الحرب.
لعل ما عمّق ارتباط الجمهور بهؤلاء الشباب، أنه عايش معهم أوقات انهيارهم وكسرتهم، ولحظات بهجتهم القليلة، كما أنهم لا يكتفون بنقل الأخبار بل يساعدون الأطفال والعجزة والجرحى وينتشلون العالقين ويبثون الطمأنينة في نفوس الأطفال ويلاطفونهم لتهدئة روعهم في ظل الصدمات التي يتعرضون لها، وينشرون الكثير من البهجة أحيانًا.

الإعلام الغربي يقمع الحقيقة
ليس خافيًا تواطؤ الإعلام الغربي وقمعه للحقيقة وانحيازه السافر لدولة الاحتلال، ولعل ما ساهم في رواج محتوى المؤثرين الفلسطينيين هو الصدقية التي اكتسبوها، خصوصًا مع تنامي شعور الرأي العام بالتضليل من قبل الشبكات الإخبارية العالمية، مثل فضيحة كلاريسا ورد مراسلة CNN الأميركية، وهي تغطي الحرب في إسرائيل، وتمثل أمام الكاميرا وتدعي تعرضها للقصف من قبل المقاومة الفلسطينية.
لاحقت فضائح مهنية أخرى مؤسسة بي بي سي البريطانية بانحيازها الواضح لإسرائيل، بجانب منع العاملين فيها من التعبير عن آرائهم بشأن الحرب، وإيقاف عدد من العاملين في القسم العربي عن العمل وإحالتهم للتحقيق، بسبب تغريدات اعتبرتها المؤسسة متعاطفة مع الفلسطينيين.
وصباح 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، استقالت آن بوير، الشاعرة الحائزة جائزة “بوليتزر” وكاتبة المقالات ومحررة الشعر في مجلة “نيويورك تايمز”، من منصبها بسبب التغطية المنحازة لإسرائيل في الحرب على غزة.
من هنا كان صناع المحتوى في غزة، بديلًا صادقًا للرأي العام في مواجهة تعتيم إعلامي ومعلومات شحيحة وأخرى المضللة، وفشلت البروباغندا الإسرائيلية في تسويق تبريرات جرائمها، ولم يفلح التضليل الإعلامي للشبكات الإخبارية العالمية في هزيمة هؤلاء المؤثرين، وعزز ذلك تحدث بعضهم الإنكليزية بطلاقة، فتخطى تأثيرهم المنطقة العربية، على سبيل المثال كان المصور الصحافي معتز عزايزة، لا يتجاوز عدد متابعيه على “إنستغرام” 50 ألف متابع، وخلال شهر منذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بلغ عدد متابعي عزايزة ما يزيد عن نحو 15 مليون متابع، ووصلت مشاهدات بعض فيديواته نحو مئة مليون مشاهدة، حيث يبث عزايزة محتواه بالإنكليزية التي يجيدها، ما مكّنه من الوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور.
فأسهم محتواهم، بجانب آخرين في فلسطين أو خارجها، في إعادة تشكيل الرأي العام العالمي، خصوصًا أن معظم الشاشات التقليدية التي تنقل الأوضاع في غزة بمهنية هي ناطقة بالعربية؛ وبالتالي لا يتجاوز تأثيرها حدود العالم العربي.
الشبكات الاجتماعية
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أداة شديدة الفعالية في فضح ممارسات الاحتلال، بل أمست نقطة تحول وطرفًا في الحرب، وهو ما عبر عنه الكاتب والمحلل السياسي الأميركي توماس فريدمان في مقالة بصحيفة «نيويورك تايمز»: بعنوان «إسرائيل.. من حرب الأيام الستة إلى حرب الجبهات الست»: إذ يرى أن إسرائيل تخوض الآن حرب الجبهات الست، وهي مختبئة على مرأى من الجميع، ومن بين هذه الجبهات هي عالم «الشبكات الاجتماعية» وغيرها من الروايات الرقمية حول من هو الخير ومن هو الشر. هذه الروايات تشكل قرارات الحكومات والساسة والعلاقة بين الرؤساء التنفيذيين وموظفيهم، على حد وصفه.
ومن هنا أصبح هؤلاء المؤثرون أحد جنود تلك المعركة غير المتكافئة، إذ فضحوا قوات الاحتلال أمام العالم، فالصورة والفيديو بألف كلمة؛ ليغلقوا الباب أمام الرواية الأحادية لإسرائيل، واستطاعوا تغيير قناعات كثيرين وآرائهم.
لقد وفروا لسكان غزة منابر لنشر سرديتهم الحقيقية عن الحرب، وربطتهم هذه المنصات مع العالم من خلال التفاعل والتعليقات، وشكلت دعمًا عاطفيًا ومعنويًا ونفسيًا. وأصبحت هذه المنصات سلاحًا غير تقليدي في حرب مستعرة، سلاح قوامه التدوينات والصور ومقاطع الفيديو والميمز الساخرة أحيانًا من واقع دام.
كما أن تأثير هذا المحتوى لا يقتصر على المتابعة الآنية للحرب، لكنه أيضًا يقدم توثيقًا تاريخيًا لتجنب التحريف وإنكار هذه المذابح، وربما يدعم اتهامات جرائم الحرب التي ستظل تلاحق إسرائيل وحكامها مستقبليًا.
المصدر: القاهرة- النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر