*في البيت الأبيض مواجهة حادة بين ترامب وزيلينسكي*…. ناجي الغزي

منبر العراق الحر :شهد البيت الأبيض يوم 28 فبراير 2025 مواجهة حادة بين الرئيس الأمريكي ترامب ونظيره الأوكراني زيلينسكي، حيث تصاعدت التوترات بين الجانبين في لحظة مفصلية من العلاقات الأمريكية الأوكرانية. كان اللقاء يهدف إلى توقيع اتفاقية تتعلق باستغلال المعادن النادرة في أوكرانيا، إلا أن المحادثات انتهت بتوتر حاد وإلغاء المؤتمر الصحافي المشترك، مما يعكس تحولاً واضحاً في السياسة الخارجية الأمريكية تحت قيادة ترامب.
أثناء اللقاء وصف ترامب زيلينسكي بأنه “يقامر بحرب عالمية ثالثة”، متهماً إياه بعدم الجدية في تحقيق السلام مع روسيا. في المقابل، أكد زيلينسكي أن أوكرانيا لن تقدم تنازلات على حساب أراضيها، رافضاً الضغوط الأمريكية لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وفق المصالح الأمريكية.
وسط أجواء التوتر، وجه زيلينسكي اتهاماً صادماً لترامب، حيث قال إن نصف المبلغ الذي قدمته الولايات المتحدة كمساعدات عسكرية لأوكرانيا لم يصل، وهو ما يعادل 350 مليار دولار. هذا الاتهام العلني أربك ترامب وإدارته أمام وسائل الإعلام.
ترامب المعروف بنهجه الاقتصادي الصارم، شدد على ضرورة أن تكون أوكرانيا أكثر امتناناً للدعم الأمريكي، بينما رأى زيلينسكي أن واشنطن تقلل من أهمية التضحيات الأوكرانية. إذ أن إدارة ترامب تتبنى نهجاً يقوم على المعاملة بالمثل، حيث لا تقدم واشنطن دعماً مجانياً لأي دولة دون تحقيق مكاسب ملموسة. في المقابل تطمح اوكرانيا إلى دعم غير مشروط من الغرب، وهو ما يتعارض مع رؤية ترامب للسياسة الخارجية.
أظهر زيلينسكي موقفاً حازماً، لا سيما عندما تعامل مع محاولات الاستهزاء بقدرات بلاده أو ممارسة الضغوط السياسية عليه. كما بدا واضحاً أنه كان يسعى للحفاظ على توازن دقيق بين طلب الدعم الدولي لأوكرانيا وعدم الظهور كدمية تحركها القوى العظمى. زيلينسكي اظهر نوع من الشجاعة ولم يرضخ تماماً لمطالب ترامب أو لمحاولات التقليل من شأن بلاده، بل حاول إظهار نوع من الندية ولو في حدود دبلوماسية.
ولكن هذه المواجهة تعكس خلافاً أعمق حول نهج واشنطن تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، إذ يبدو أن إدارة ترامب تسعى إلى تبني سياسة أكثر براغماتية تهدف إلى تقليل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، مع التركيز على المصالح الاقتصادية الأمريكية المباشرة
*الصراع العالمي على الثروات الأوكرانية*
يأتي هذا الخلاف في سياق صراع عالمي على الثروات الأوكرانية، حيث تعتبر البلاد كنزاً استراتيجياً للمعادن النادرة. حيث تمتلك 22 معدناً نادراً من أصل 30 معدناً تستخدمها الدول الأوروبية، بالإضافة إلى احتياطيات ضخمة من الليثيوم والتيتانيوم والزركونيوم. وبحسب الاتفاق المقترح، كانت أوكرانيا ستخصص 50% من عائداتها من استخراج المعادن للصندوق المشترك، بينما كانت واشنطن ستستخدم جزءاً من هذه الأموال لتعويض تكاليف الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته لكييف. ولكن مع انهيار المحادثات، تواجه أوكرانيا صعوبات في تأمين استثمارات كافية لتطوير قطاع التعدين، مما قد يمنح روسيا فرصة أكبر لاستغلال الفجوة الاقتصادية التي خلفها التوتر مع واشنطن.
*الموقف الأوروبي*
فشل الاجتماع أثار ردود فعل أوروبية قوية، حيث انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقف ترامب، مؤكدًا أن “روسيا هي المعتدية، وأوكرانيا تستحق الدعم”. في السياق ذاته، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرز تضامنه مع كييف، لكن أوروبا تواجه معضلة استراتيجية: هل تستمر في دعم أوكرانيا بشكل مستقل عن واشنطن، أم ترضخ للضغوط الأمريكية وتعيد ترتيب أولوياتها؟
حتى الآن، أثبتت أوروبا أنها تابعة للسياسات الأمريكية، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى تقوية استقلاليتها الدفاعية والاقتصادية إذا واصلت واشنطن انسحابها التدريجي من المشهد الأوروبي. هذا قد يؤدي إلى تحولات كبيرة في ميزان القوى داخل الناتو والاتحاد الأوروبي.
*الموقف الروسي*
في موسكو، قوبلت الأزمة بين واشنطن وكييف بارتياح. نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، وصف المواجهة بأنها “تخدم المصالح الروسية وتضعف الجبهة الموحدة ضد موسكو”. روسيا تدرك أن أي تراجع في الدعم الأمريكي لأوكرانيا يمنحها مجالًا أكبر لتعزيز نفوذها في المنطقة، سواء عبر التقدم العسكري أو عبر الضغط الاقتصادي والسياسي
*ترامب وإعادة تعريف العلاقات الدولية*
ما حدث في البيت الأبيض ليس مجرد خلاف بين زعيمين، بل يعكس رؤية ترامب لإعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تتحول الولايات المتحدة من دور القائد العالمي إلى قوة انتقائية تركز على المصالح الاقتصادية المباشرة. هذه السياسة قد تؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي في أوروبا، مما يفتح المجال أمام الصين وروسيا لتعزيز حضورهما على الساحة الدولية.
من خلال موقفه المتشدد، أراد ترامب إرسال رسالة واضحة: أمريكا لن تدعم أوكرانيا دون مقابل اقتصادي واستراتيجي. لكن زيلينسكي، بموقفه الحازم، حاول التأكيد على أن سيادة أوكرانيا غير قابلة للمساومة، حتى لو كلفه ذلك تراجع الدعم الأمريكي.
وفي ظل هذه التطورات، ستظل العلاقة بين واشنطن وكييف خاضعة لاختبارات متكررة، وقد يكون لروسيا والصين دور متزايد في تحديد مستقبل المشهد الجيوسياسي العالمي. التحدي الأكبر يكمن في قدرة أوكرانيا على تأمين دعم دولي مستدام دون الخضوع لضغوط خارجية قد تؤثر على سيادتها واستقلال قرارها السياسي والاقتصادي. والأحداث القادمة ستحدد ما إذا كانت هذه المواجهة مجرد أزمة عابرة، أم بداية لتحولات جيوسياسية أعمق تعيد تشكيل النظام العالمي.

كاتب سياسي

اترك رد