منبر العراق الحر :
في ليلة زفافه، اختار أن يتغيب، كلف أخاه باستقبال المدعوين، ثم اختفى، إلى أين؟ لا أحد يعلم، هارب؟ قطعا لا، صحيح أن الهرب من أمر لا تطيقه قد يكون خلاصا، ولكنه كان يطيقها، كجرعة ماء بعد يوم طويل من العطش، وكشمس بزغت بعد ليل بارد، يطيقها حد الوجع.
توارى باحثا عن متسع للتفكير، وإعادة صياغة الماضي لتشكيله حسب ما يليق بالقدر.
سحب قدميه المثقلتين بتعب السنين، وراح يتأمل في أغواره، حيث تتساقط أوراق الخريف، يذوب الجليد، ويبتسم الحزن بخبث ودهاء.
تجلى له وجهها، وجه العروس التي تنتظره في قاعة الفرح؟ ألف لا، بل وجه آخر، وجه الفتاة التي كانت تجلس في وقت سابق على الرصيف المقابل لمنزله، ترسم دوائر على الغبار بقدمها الحافية، الفتاة التي كان يخبئ قطعة حلوى في جيب وزرته المدرسية، ثم يهديها لها عند انتهاء الدرس، الفتاة التي رأى في بريق عينيها حب الطفولة، وصبوة الشباب.
لحظات من الماضي كان يظن أنها صارت ذكرى من رماد، لكن الذكرى إذا صارت رمادا، لا أحد يضمن لك أنها لن تنبعث من رمادها كما يفعل طائر العنقاء.
توقف أمام شجرة عتيقة، ألف أن يجلسا بقربها، لا يعلم متى نبتت أو من زرعها، ولكنه يعلم أنها شاهدة على حبهما الشرس.
العروس في القاعة تنتظر، وأخوه يبتسم للمدعوين ابتسامة زائفة، والحياة تستمر في عبثيتها.
قالت له مازحة ذات ليلة أنها سترقص في عرسه رقصة الطاووس، وقال لها بدوره أنها إذا لم تكن هي العروس، فانه بفضل أن يمضي بقية حياته حارسا للنجوم.
أكل من تفاحتها يوما لذلك صارت محرمة عليه.
كان يحبها في مزاحها، وتحبه في حزمه والحياة تحبهما في تعاستهما، لذلك بعثت إليها مرضا خبيثا لا شفاء منه، وبعثت إليه برقية فحواها أنه لا سعادة بعد اليوم. أشهر قليلة من المرض كانت كافية لتودي بحياتها، وبحياته هو الاخر.
تأمل السماء السوداء ونجومها، إلى أين؟ سأل نفسه. إلى ما قادني إليه القدر، فإني لم أعد أقوى على المجابهة والمحاربة.
أغمض عينيه، ورسم ابتسامة باهتة على وجهه، ثم التفت، وتقدم بخطوات ثابتة نحو القاعة، نحو العروس التي لا ذنب لها في كل هذا، ربما هي الأخرى مثله، أرغمتها الحياة على سلك هذا الطريق الشائك، جلس بقربها، قبّل رأسها، رفع كأس النبيذ وقال في سره بعبثية:
“نخب الطاووس الذي يرقص في السماء”
لقرع محمد أمين
منبر العراق الحر منبر العراق الحر