منبر العراق الحر :
منذ فترة غير بعيدة قرأت مقالًا عن بعوضة تتناول العشاء، إذ كانت تتغذى على دماء الكاتب أثناء تناوله لطعامه، مما أثار في نفسي تساؤلًا حول هيراركية الكون المتشابكة، لا يعيش كائن إلا بفضل كائن آخر، فتستمر الحياة عبر سلسلة من الاعتماد المتبادل الذي يتخذ في ظاهره صورة افتراس. هذه الشبكة اللامتناهية من العلاقات لا تترك مجالًا للفوضى، تحكمها تراتبية دقيقة تبدأ من أصغر الكائنات، مرورًا بالنبات والحيوان، وصولًا إلى الإنسان، الذي يتوهم أن وعيه يضعه خارج هذه المنظومة، بينما الواقع يكشف أنه لم يغادر قانون الافتراس، إنما نقله إلى مستويات أخرى، من البيولوجيا إلى الاجتماع. فالذي كان في الطبيعة صراعًا من أجل البقاء، أصبح في المجتمع صراعًا من أجل مصالح متعددة، اتخذت أنماط الافتراس بنية جديدة؛ كلمة جارحة تحل محل المخالب، إشاعة أو نصيحة سامة توازي افتراس الأقوى للأضعف.
تتجلى هذه الحقيقة بوضوح في المنظومة الاجتماعية، خصوصًا في العلاقات الأقرب كالعائلة الصغيرة والدوائر الأولى من الأقارب. عندها نكتشف أن روابط الدم ليست دائمًا حصنًا آمنًا، وقد تتحول أحيانًا إلى شبكة افتراسية مقنّعة، حيث يُستغل القرب لتحقيق مصالح شخصية. في هذه اللحظة يواجه الفرد سؤالًا يهز كيانه كله، كيف يمكن أن يتحول المأوى إلى فخ، والسند إلى خصم يتغذى على ضعفه أو نجاحه؟
الصدمة في هذا الموضع هي لحظة تفكك في البنية الداخلية للفرد، لحظة ينهار فيها التصور السابق للعالم وللذات. هذا الانهيار، رغم قسوته، يفتح المجال لإعادة التنظيم النفسي، فالفرد يُضطر إلى بناء نماذج إدراكية جديدة أكثر واقعية وصلابة.
تكمن قيمة الصدمة في قدرتها على إجبارنا على الانتقال من وعي يعتمد على الآخرين إلى وعي أكثر استقلالًا وتماسكًا. وإن لم ينجح الإنسان في هذا الاختبار القاسي، يظل أسيرًا لجرحه، يعيد إنتاج ألمه في صور متكررة، ويغدو جزءًا من دائرة الافتراس نفسها.
وما يحدث على مستوى الفرد لا ينفصل عن البنية الاجتماعية، فالجروح الفردية تتسع لتغدو توترات جمعية، حين تتشابك البنى التقليدية: العائلة، القبيلة، الطائفة، مع البنى الحديثة: الدولة، السوق، المؤسسات. عندها تتضاعف مستويات الافتراس، فالمصلحة الفردية تغلف بخطاب القيم أو الدين أو الأخلاق، لكنها في العمق امتداد للنفعية الكونيةالجميع يتغذى على الجميع.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر