منبر العراق الحر :….مدخل: الشعر بوصفه عودة إلى الينبوع
صدر مؤخرًا عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر منجزٌ شعريٌّ جديد بعنوان «إينتيمينا والنهر»، وهو مجموعة من قصائد النثر للشاعر والأديب عدنان عبد غركان، تناولت موضوعاتٍ إنسانيةً متنوعة، من عمق الجنوب العراقي إلى مآسي الإنسان في كل مكان.
ومن بين القصائد نصوصٌ مؤثرة عن أطفال غزة وما يتعرضون له من قسوة الكيان الغاصب، حيث يقول الشاعر:
“طفلةٌ ألبسها دخانُ العصفِ كفنَ الموت،
تلتهم الموتَ وتلوكُ اليأسَ وتجترُّ الأ
سى،
تبحثُ عن ظفيرةِ أختِها الصغرى
وبقايا أصابعِ أمٍّ لا تُدركها العيون،
وبين أنقاضِ الدكاكينِ وقاعاتِ الدرسِ
ولعبِ الأطفالِ ومصحاتِ المرضى…
كانت الحكاية.”
تأتي هذه المجموعة النثرية بعد إصدار الشاعر السابق «مفازة من الصمت»، لتؤكد اتساع أفق تجربته الإبداعية وعمق انشغاله الإنساني والوطني، إذ تجمع بين الهمّ الجنوبيّ والوجع الإنسانيّ العام في نسيجٍ شعريٍّ واحد.
*إينتيمينا… الملك الذي صار إنسانًا
يستعيد الشاعر اسم إينتيمينا، الملك السومري الذي حكم مملكة لكش في أرض ذي قار، لا بوصفه شخصيةً تاريخيةً جامدة، بل كرمزٍ للإنسان الجنوبي المتجذّر في الأرض، الحارس للماء، والمقاتل من أجل الحياة.
في العنوان نفسه – إينتيمينا والنهر – يكمن حوارٌ وجوديّ بين الإنسان والماء، بين منبع الخلق وتجلياته، بين التاريخ والخلود.
العلاقة بين الملك والنهر ليست عطفًا نحويًا، بل تحالفًا روحيًا يختزل فلسفة الجنوب في كلمة واحدة: الانتماء.
*اللغة التي تشرب من النهر
لغة عدنان عبد غركان في هذه المجموعة لغة متوهجة بالصفاء والاقتصاد، لا تتزخرف ولا تتكلّف، لكنها تنبض بالإيحاء والرمز.
في قصيدة «الوجع القادم» مثلًا يقول:
الصراع ليس بجديد
مع انطلاقة أول رؤيا للكون
مع أول شعاعٍ للشمس
يهمس بالدفء والحنان…
هنا تتجاوز اللغة حدود البيان إلى حدود الرؤيا، فتتحول المفردة إلى كائنٍ حيٍّ يتنفس، ويغدو الوجع وعياً كونيًّا لا ألمًا فرديًا.
إنّ الشاعر لا يصف الأشياء، بل يُنصت إليها لتتكلم، فيجعل من اللغة نهرًا آخر يتدفق من الذاكرة إلى الصفحة.
*النهر كمرآة للإنسان
النهر في المجموعة ليس مجرد خلفية طبيعية، بل بطلٌ أسطوريٌّ له ذاكرته وصوته.
في قصيدة «رائحة الطين» يقول الشاعر:
يممتُ وجهي نحو أعذب ماءٍ لغراف دجلة
هناك في عمق النهر
رائحةُ الصدق وكافور المحبة…
يتحوّل النهر هنا إلى فضاءٍ للتطهّر الروحي، وإلى مرآةٍ يرى الإنسان فيها صورته الأولى.
إنه النهر الذي يهب الحياة، لكنه في الوقت نفسه شاهدٌ على الخيبات والجفاف.
بهذا المعنى، تصبح العلاقة بين الإنسان والنهر رمزًا للعلاقة بين الذات والوجود؛ علاقةٌ لا خلاص فيها إلا بالعودة إلى الأصل.
*شعرية الإيقاع الداخلي
رغم انتماء المجموعة إلى قصيدة النثر، إلا أن موسيقاها تتجلّى في الإيقاع الداخلي النابع من التكرار والتنغيم والتماثل الصوتي.
في قصيدة «في مرايا وخلجان دافئة» يكتب الشاعر:
سلامًا لشفتيك،
سلامًا لعينيك،
سلامًا لضفاف دمعٍ في خلجان دافئة.
يتحوّل التكرار هنا إلى موسيقى روحية تخلق هدوءًا وتأملًا، وتُعيد ترتيب النَفَس الشعري على نسقٍ يشبه تلاوةً وجدانية.
الإيقاع في شعر عبد غركان ليس زينة، بل جزء من معنى القصيدة نفسه؛ إنه ما يجعل الكلمة تنبض بالحياة.
*من الأسطورة إلى اليوميّ
يتنقّل الشاعر بمرونةٍ بين الأسطورة والواقع، فيجعل من إينتيمينا القديم ظلًّا للإنسان المعاصر الذي يخوض صراعه ضد القسوة والتهميش والجفاف.
في قصيدة «الزمن» يخاطب الشمس قائلًا:
أرسلي ضوءك عبر متاهات زمنٍ شرع بالانتحار
ليمنع موت قبرةٍ ووردةٍ وشيخٍ يحلم بشيخوخةٍ ناعمة.
هذه القصيدة نموذج لِما يمكن تسميته بـ الشعر التأملي الميتافيزيقي؛
فالشاعر يواجه أسئلة الوجود الكبرى من خلال تفاصيل بسيطة: قبرة، وردة، شيخ.
إنها أسطرةٌ للحياة اليومية بلغةٍ شفافة، تمزج الوجدان بالوعي، وتحوّل الواقع إلى أسطورةٍ صغيرة.
*هوية الجنوب وذاكرة الماء
الجنوب في هذه المجموعة ليس ديكورًا جغرافيًا، بل روح النصّ كلها.
ففي كلّ قصيدة نلمح ظلال الغراف، وصدى الناصرية، ووجع الأرض التي تُنبت النخيل وتُطعم الشعراء من طينها وملحها.
إنه الجنوب الذي يكتب عن نفسه عبر لغة الشاعر، حيث تتحد الهوية بالماء، والتاريخ بالقصيدة، والمعاناة بالجمال.
عدنان عبد غركان في «إينتيمينا والنهر» لا يكتب عن الجنوب، بل يكتبه من الداخل؛
يمنحه صوتًا وذاكرةً ورؤية، ويحوّل الشعر إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الهادئة ضد النسيان.
*حين يصير الشعر خلاصًا
في نهاية المطاف، تقف مجموعة «إينتيمينا والنهر» على تخوم الشعر والتأمل، على تماسّ الماء بالنار، والتاريخ بالحلم.
إنها كتابة تُعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، وتُذكّره بأنّ الشعر – مثل النهر – لا يتوقّف عن الجريان، حتى لو جفّت الأرض.
إنها قصائد الإنسان الباحث عن معنى الوجود في زمن الفقد،
قصائدٌ تحاور الذاكرة واللغة والسماء،
وتؤكد أن الشعر ما زال قادراً على أن يخلّص الروح من عطشها الدائم،
وأن الجنوب – في صمته وضيائه – ما زال يقول للعالم:
«أنا النهر الذي لا يشيخ،
وأنا الإنسان الذي لا يتعب من الحلم.»
* نبذة عن المؤلف الاديب عدنان عبد غركان
عدنان عبد غركان شاعرٌ وإعلاميٌّ ومؤرخ من مدينة الرفاعي في محافظة ذي قار – العراق.
ينتمي إلى جيلٍ من الكتّاب الذين جمعوا بين الحسّ التاريخي والوعي الجمالي، فكان في شعره مزيجٌ من الذاكرة والأسطورة والتأمل الإنساني.
صدر له عدد من المؤلفات والدراسات، من أبرزها موسوعته «مدن جنوبية – تاريخ مدينة الرفاعي » التي وثّق فيها تاريخ المدينة والشخصيات الثقافية والتربوية والاجتماعية في المدينة .
يكتب عدنان عبد غركان شعرًا يتكئ على الرمز واللغة الصافية، ويُعلي من شأن الإنسان والمكان في مواجهة القسوة والنسيان.
وتأتي مجموعته «إينتيمينا والنهر» لتتوج مسيرته الإبداعية بوصفها نشيدًا للماء، واحتفاءً بالجنوب، واستعادةً لكرامة الإنسان من خلال الكلمة.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر