الأسطورة التي لم تمت: رحلة الإنسان في البحث عن الجمال الضائع … بقلم: عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

«كلّ معرفةٍ هي محاولةٌ لاستعادةِ ومضةِ الجمالِ الأولى التي أشرقت في وعي الإنسان ثم غابت.»

منذ فجر الوعي، كانت الأسطورةُ المرآةَ الأولى التي أبصر الإنسانُ فيها صورتَه والكونَ من حوله.
لم تكن حكايةً تُروى لتسلية العقول، بل محاولةً أولى لفهم الغامض، وتفسير ما لا يُفسَّر، ومنح الوجود لغةً تُقال.
في لحظة الدهشة الأولى أمام الكون، حين واجه الإنسانُ السرَّ وسمع الصوتَ ورأى النور، لم يجد سوى الخيال سبيلًا إلى الفهم.
ومن رحم ذلك الخيال وُلدت الأسطورة، لتكون أول نظام رمزيٍّ عبّر به الإنسان عن ذاته والعالم معًا.
الأسطورة ليست من الماضي، بل من نسيج الوعي نفسه.
إنها الذاكرة الأولى للفكر، والصورة الأولى للمعنى.
وحين ظهر العلم، لم يأتِ ليقضي عليها، بل ليُعيد صياغتها في شكلٍ آخر؛ لأنّ العلم، في جوهره، ابنُ الخيال، والخيال هو جوهر الأسطورة.
فكلّ فرضيةٍ علميةٍ كانت يومًا حلمًا، وكلّ اكتشافٍ بدأ بصورةٍ متخيَّلةٍ عن العالم.
ولهذا يبقى الإنسان — مهما بلغ من العقلانية — يحمل في أعماقه الأسطورةَ كروحه الخفية، توجّهه من حيث لا يدري، وتغذّي خياله حين يظنّ أنه يفكر بعقله وحده.
الخيال هو الطاقة التي تربط الأسطورة بالوعي.
فهو الذي يجعل الإنسان يرى المجهول في صورةٍ محسوسة، ويحوّل الغيب إلى رموزٍ قابلةٍ للتأمل.
ومن هذا الخيال انبثقت اللغة والفكر والفن، إذ حاول الإنسان أن يمنح الرمز شكلًا ناطقًا، وأن يكسو المعنى ثوبًا من الكلمات.
وهكذا وُلدت المعرفة لا نقيضًا للأسطورة، بل امتدادًا عقليًّا لخيالها الأول.
فالأسطورة هي المبدأ، والعلم هو الامتداد، وكلاهما يستندان إلى حاجةٍ واحدة: إدراك الجمال الكامن في الوجود.
إنّ ميل الإنسان إلى الأسطورة في كلّ زمانٍ ليس ضعفًا في العقل، بل حنينٌ فطريٌّ إلى الرمز،
إلى تلك الصورة التي تمنح الأشياء معناها.
فالرمز يتجسّد في المعنى، وتلبسه اللغةُ ثيابَها، فيصير الفكرُ نفسه فعلًا جماليًّا يسعى إلى التناسق بين الصورة والروح.
ولذلك لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عن الأسطورة؛ لأنها تعبّر عن حاجته الدائمة إلى أن يرى الجمال في شكلٍ ما،
في وردةٍ، أو شلالٍ، أو شجرةٍ، أو نغمةٍ، أو فكرةٍ.
إنه لا يخلق الأسطورة ليحلم، بل ليستعيد ما فَقَدَه من جمالٍ رآه يومًا ثم غاب عنه.
الخيال هو الوسيلة، والمعرفة هي الطريق، والجمال هو الغاية.
والإنسان في كلّ ما يصنعه من علمٍ وفنٍّ وإبداع، إنما يحاول أن يُجسّد تلك الصورة الأولى التي انطبعت في ذاكرته حين كان في حضرة النور.
ولعلّ هذا هو سرّ سعيه الدائم نحو الاكتشاف والإبداع؛
فهو لا يطلب البقاء، بل يبحث عن الجمال في كلّ ما يُبقيه حيًّا بالمعنى.
وهكذا تظلّ الأسطورة حيّةً في الوعي الإنساني،
تتبدّل أشكالها لكنها لا تفقد روحها،
تختفي عن السطح لتبقى في العمق،
وتهمس في خيال الإنسان كلّما حاول أن يرى الحقيقة بعين الجمال.
فالإنسان يعيش حالةَ الحنينِ الدائمةِ إلى صورةِ الجمالِ الغائبة،
وكلّ ما يفعله في رحلته الفكرية والروحية إنما هو سعيٌ لاستعادتها —
مرةً في الرمز، ومرةً في العلم، ومرةً في الفن —
لأنّ تلك الصورة، وإن غابت عن عينه، ما زالت تنبض في قلب وعيه منذ لحظة وجوده الأولى.

اترك رد