نلتقي لنرتقي: عن العنصرية التي نزرعها في بيوتنا…كريمة الشامي

منبر العراق الحر :
هل يولد الإنسان عنصريًا بالفطرة؟ الجواب: لا.
فالطفل صفحة بيضاء، لا يعرف الكراهية ولا يفرّق بين لونٍ وآخر، ولا بين لهجةٍ ولهجة. ضع طفلين من خلفيتين مختلفتين في مكان واحد، وستجدهما يلعبان، يضحكان، ويتقاسمان اللعبة دون أن يفكّرا من منهما أفضل. لكنّ المشكلة تبدأ من حيث نظنّ أننا نربّي، بينما نحن في الحقيقة نُفسد الفطرة النقيّة.
🧠 العنصرية تبدأ من البيت لا من الشارع
حين تقول أمّ لابنتها: “شوفي بنت خالتك جابت علامة أحسن منك!”، هي لا تقوّي الطموح كما تتوهّم، بل تزرع أول بذرة كراهية. تلك الطفلة الصغيرة التي شعرت بالنقص ستكبر حاملة غصّة، وربما حقدًا، على قريبتها أو زميلتها. ولو أن الأم احتضنتها وقالت: “أنتِ شاطرة، والمرة الجاية رح تعملي أحسن”، لكان الدرس حبًّا وسلامًا لا مقارنةً وحسدًا.
العنصرية لا تبدأ من لون البشرة، بل من طريقة النظر للآخر. تبدأ من كلمة، من نبرة، من تربية تُعلّم التنافس لا التعاون، وتربط القيمة بالنتيجة لا بالنية. نحن من نعلّم أبناءنا أن “الناجح خطر”، وأن “المختلف مرفوض”، وأن “من ليس من عائلتنا أو طائفتنا أو مدينتنا لا يستحق الثقة.”
💔 مجتمعاتٌ تكره النجاح وتخاف الضوء
تحوّل الحسد في أوطاننا إلى عادةٍ اجتماعية. بدل أن نقول “مبروك”، نقول “ليش هو؟”، وبدل أن نتعلّم من الناجح، نحاول إسقاطه. أصبحت الكراهية تُقدَّم في ثوب النُكتة، والحقد في شكل “نصيحة”، والتمييز يُمارَس بأسماء مستعاره من الأخلاق والعادات.
أليس من المؤلم أن نرى مجتمعاتنا العربية تمارس عنصرية ضد بعضها أكثر مما يفعل الغرب الذي نلومه ليل نهار؟ هناك، يُحاسَب من يميّز، أمّا هنا فنكافئ من يستهزئ!
لقد صنعنا بأنفسنا فوارق لم تكن موجودة، وتوارثنا أمراضًا فكرية باسم “الغيرة” و”العادات”، حتى أصبحنا كما تقول الحكمة: في مقدّمة المؤخرة.
رسالة للتغيير
أنا أكتب لا لأنتقد، بل لأُوعّي. لعلّنا نرتفع بأفكارنا، ونطهّر قلوبنا من سموم المقارنة والتمييز والحسد. دعونا نربّي أبناءنا على أن اختلافهم جمال، وأن نجاح غيرهم ليس تهديدًا لهم بل دافعًا ليكونوا أفضل.
دعونا نقولها من القلب: نلتقي لنرتقي.
فلا وطن يتقدّم بقلوبٍ تمتلئ كراهية، ولا أمة تبني مجدها بعقولٍ تزرع الحقد وتقتات على سقوط الآخرين…

اترك رد