عطر الكلمات وعتمة الصمت…. د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في زوايا الحياة الصامتة، حيث تتراقص الظلال مع أنفاس الضوء الخافت، وتختبئ الأماني خلف ستائر الليل، تظل الكلمات ملاذًا لكل روح تبحث عن ذاتها في عالم متسارع، ضائع بين ضجيج الأيام وصخب العيون وهناك، على حافة اللحظة، يولد الشعر من بين ثنايا الصمت، ويأخذنا بعيدًا عن كل ما هو عابر وزائل، إلى عالم يظل فيه للخيال وحده سلطان، وللروح حرية لا تحدها قيود.
الأدب، في جوهرة، ليس مجرد حروف متراصة على ورق، بل هو نبض الإنسان في مواجهة الزمن، صرخة القلب حين ينكسر وابتسامة الروح حين تجد لنفسها متنفسًا. وكل جملة، وكل سطر، هو رحلة نحو الداخل، نحو تلك الغرف الخفية التي لا يعرفها سوى من يملك الجرأة على مواجهة ذاته وعندما نقرأ نصًا مكتوبًا بإحساس نكتشف أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن أفكارنا، مهما كانت متفرقة، تجد صداها في قلب آخر، هناك حيث يتلاقى الصوت الداخلي لكل إنسان مع همسات من سبقوه مع آثار من تركوا أثرهم في الكلمات.
والأدب مرآة للواقع، لكنه مرآة مختلفة يعكس ليس ما نراه بالعين، بل ما نشعر به بالروح. ففي سرد الحكايات، وفي نسج الكلمات، يمكننا أن نحلق فوق القيود ونرتقي بعيدًا عن السطحيات، لنكتشف جوهر الأشياء : الحب والوفاء والأمل والخوف، وكل تلك المشاعر التي تصنع الإنسان وتجعله حيًا حقًا. فكل نص، مهما بدا بسيطًا، هو نداء إلى النفس؛ دعوة لمواجهة الضعف، وصراعًا صامتًا مع الوحدة، واحتفاءً بالانتصارات الصغيرة التي تمرّ دون أن يلاحظها أحد، لكنها تشعل في داخلنا شمعة أمل لا تنطفئ.
وإذا كان الصمت يحمل ثقلًا، فإن الكلمات تمنحه جناحين. هي العطر الذي ينساب بين حنايا القلب، يحيي ما كاد يضمحل من الأحاسيس، يروي عطش الروح للمعنى والوجود. كل كلمة هنا ليست مجرد حروف بل نغمات متشابكة من تجربة الإنسان تنقلها من قلبه إلى قلب الآخر، فتخلق جسورًا بين العوالم، بين الماضي والحاضر بين حلم لم يكتمل وواقع يفرض نفسه.
ومهما حاول الزمن أن يمحو آثارنا، تبقى الكلمات حية، شاهدة على لحظاتنا، على صراعاتنا، على انتصاراتنا الصغيرة وأحلامنا الكبيرة إنها لا تموت مع موتنا بل تعيش في قلوب من يقرأها، وتتنفس مع كل نفس جديد وهنا تكمن عظمة الأدب: أنه لا يحده زمان ولا مكان، بل هو حاضر دائم، مستمر، يعيد تشكيلنا في كل مرة نقرأه أو نكتب فيه. فهو مرآة لا تعكس الواقع فقط، بل تصنع الواقع أيضًا، تجعلنا ندرك أن لكل لحظة معنى، ولكل تجربة أثر.
فالأدب يعلمنا الصبر على الذات، ويقودنا نحو فهم أعمق للجمال، للصدق، للحقيقة التي تختبئ خلف الكلمات وهو الحوار الدائم بين القلب والعقل، بين الواقع والحلم، بين الإنسان وما يطمح أن يكونه. ومن يملك القدرة على قراءة هذا العالم على الغوص في أعماقه وفهم صمته، يعرف أن كل كلمة لها وزنها، وكل فكرة لها أثرها وكل نص، مهما بدا بسيطًا، يحمل في طياته رسالة صادقة لكل من يسعى للبحث عن ذاته، ويصنع لنفسه طريقًا في عالم يسعى فيه الكثيرون للاختباء وراء الضوضاء والسطحية.
وفي النهاية، يظل الأدب هو الملاذ، هو العطر الذي لا يزول، هو الضوء الذي ينير دروبنا حين يلفنا الظلام، هو الصمت الذي نسمع فيه أعمق ما فينا من أحاسيس ويعلمنا أن عظمة الإنسان لا تكمن في ما يراه العالم، بل فيما يزرعه في قلبه، وفي الكلمات التي يتركها لمن يأتي بعده. فحين تمتزج الكلمات مع الصمت، يولد سحر لا يموت، يولد أثرًا يبقى حاضرًا حتى بعد رحيلنا، ليؤكد أن الروح الحقيقية للإنسان هي ما يتركه من أثر، وما يزرعه من معانٍ في عالم ينسى كل شيء سريعًا، إلا ما كتب بألم وحب وصدق.

اترك رد