دماء على جسر الزيتون! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
بدأ فجر البشرية يطلع من بلاد سومر، عندما شُغل شعبها باختراع الحرف الأول، ينسجون منه قصائد لتغني على أنغام قيثارة أور، وقتها يظهر إله الخصب والعطاء “دموزي” لتنهض سنابل القمح، وتصدح الأغاني في مواسم الحب والخير والحصاد.
مدينة الحرف الأول لم تسرح مع خيالات الأناشيد وبهجتها على أفواه نساء سومر، بل تعلن الثورة بقيادة الملك السومري (أوركا جينا) قبل 4500 سنة، ثورة على فساد الكهنة واستئثارهم بالضرائب التي تجنى لصالح الرب.
أسرار مدينة الناصرية لم تفكك بعد، ولماذا يجتمع فيها الغناء مع التمرد أو الثورة؟ تلك مساحة متروكة للبحث الأنثربولوجي.
*كل شيء هادئ في المدينة، هومت الجموع التي أمضت النهار في صخب التظاهر، كل شيء تحت السيطرة وفوق جسر الزيتون، المدينة تنتظر قرار ما يأتي من بغداد لتنفيذ مطالب المحتجين الذين يسيطرون على المدينة بسلمية تامة، نامت المدينة وشباب المدينة استسلموا لنوم عميق وحلم باسترداد الوطن من الفاسدين والمحتلين والقتلة.
عند الثالثة فجراً، حدث جهنمي مفاجئ وصادم، رصاص وصراخ وغضب وانتهاك وفوضى وأجساد ربيعية تتساقط على بعضها، بدأت الجريمة فوق جسر الزيتون، مغول العصر الديمقراطي الأوباش جاءوا ليقتلوا أبناء الناصرية الأبطال، جاء رد بغداد، ولم يكن من روح بغداد، بل من جلاوزة ومرتزقة احتلوها وأغاظهم فعل البطولة لهذه المدينة الباسلة!
عندما تستسلم المدن تثور الناصرية، تعويذة عراقية عرفها المحتلون منذ زمن الإسكندر المقدوني واحتلال الفرس الساسانيين والإنكليز والأمريكان وغيرهم، لهذا أطلقوا عليها “الشجرة الخبيثة”، نعم شجرة لا تسمح أن يصعد عليها الغرباء والمحتلون والفاسدون، وكان موعدها الثورة أبداً.
جاءت قوات العسكر بأوامر فاشستية لقتل المحتجين والمعتصمين على الجسر وفتح الطريق بهدف إعادة الأوضاع لحالتها الطبيعية بالقوة وإرهاب المدينة!
اجتمع زعماء القبائل وعليّة القوم، وكانت الثورة قاب قوسين أو أدنى، لكنهم اكتفوا بطرد جميل الشمري الذي كان يقود قوات الموت!
رجال المدينة داسوا جراحهم، ضمدها ضمير كان في لحظتها يرفع رأسه لمشاهدة العراق بأجمعه، وليس دماء جسر الزيتون! وتلك أقصى غايات الوطنية التي افتقدها الأراذل، وهم يطلقون النار على خير وأشجع فتيان البلاد وشبابها، البلاد التي لا ترضى بالضيم والذل والفساد.
نزفت أجساد نحو 70 سبعين قتيلا و225 جريحاً، مجزرة ترتكب ضد شباب وديعين بلا سلاح، بل كان سلاحهم الهتاف والأغاني والأحلام التي تبحث عن ضوء في المستقبل، لكنها انتهت في عتمة مقبرة النجف الأشرف، جريمة اهتزت لها ضمائر العراقيين الشرفاء، وتبرم عنها الحكام الفاسدون، وانطوت في ذاكرة المدينة دفق آخر لطهارة المدن وغلاء ثمنها الروحي!
جماهير ذي قار انتظموا بمواكب حزن ورثاء تخليدا للأرواح التي استبيحت على جسر الزيتون، وتلك الواقعة التي تحولت إلى جرح لا يندمل في ذاكرة المدينة ومجدها الأبدي.
سلام على شهداء جسر الزيتون في الذكرى السادسة للواقعة، وسلاما لذي قار وأهلها وهم يعضون على الجراح لا يفارقون إصرارهم على صياغة حياة أفضل، خالية من العملاء والفاسدين والظلاميين.

اترك رد