منبر العراق الحر :
العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية هي واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدًا في التاريخ الحديث حيث تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والأمن والإيديولوجيا والجغرافيا الاستراتيجية في مزيج نادر من التوتر والصراع والتكيف الدبلوماسي.
لا يمكن فهم هذه العلاقة دون العودة إلى بدايات القرن العشرين حين بدأت إيران تتعرض لضغوط القوى الكبرى وفي الوقت نفسه كانت الولايات المتحدة الامريكية تتوسع في نفوذها العالمي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وتزداد اهتماماتها بالمصالح النفطية في الشرق الأوسط وكانت البداية الفعلية للعلاقة المباشرة بين إيران وأمريكا مرتبطة بمحاولات الولايات المتحدة الامريكية التوسع التجاري وتأمين أسواق نفطية مستقرة لكن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع محاولة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق تأميم النفط في خمسينيات القرن الماضي وهو إجراء أثار قلق بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية على حد سواء إذ كان يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية.
استجابت المخابرات الأمريكية والبريطانية لهذا التهديد بتخطيط انقلاب عام ١٩٥٣ الذي أطاح بمصدق وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة وهو الانقلاب الذي غرس شعورًا طويل الأمد بالعداء والاستياء الشعبي ضد النفوذ الأمريكي في إيران وجعل العلاقة بين البلدين قائمة على التوتر العميق والشك المتبادل وهو شعور لم يزول حتى بعد عقود من الزمن
مع تثبيت الشاه لنظامه أصبحت إيران حليفًا استراتيجيًا لأمريكا حيث شكلت جزءًا من شبكة حلفاء تهدف إلى احتواء النفوذ السوفيتي خلال الحرب الباردة وتأمين موارد الطاقة الحيوية في المنطقة ومع ذلك استمر القمع الداخلي للمعارضة السياسية والاجتماعية في تصاعد الغضب الشعبي مما أدى إلى تفجر الثورة الإسلامية في عام ١٩٧٩ وهي الثورة التي قلبت موازين القوى بشكل كامل إذ أسقطت نظام الشاه وأعلنت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني الذي اتخذ موقفًا صريحًا ضد النفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم.
كان احتلال الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية وأخذ الموظفين رهائن لمدة ٤٤٤ يومًا في نفس العام حدثًا تاريخيًا صدم الولايات المتحدة الامريكية وأدخل العلاقات في مرحلة شبه كاملة من انعدام الثقة وأصبح هذا الحدث رمزًا للتوتر المستمر الذي سيهيمن على العلاقة بين البلدين لعقود قادمة.
خلال ثمانينيات القرن المنصرم ونتيجة للحرب العراقية الإيرانية لعبت الولايات المتحدة دورًا غير مباشر في ذلك في حين سعت إيران إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدبلوماسية وبناء شبكة من التحالفات الإقليمية لتعويض فقدان الدعم الدولي.
هذا الصراع بالوكالة بين القوتين أظهر تعقيد المواجهة إذ لم يعد الأمر مجرد مواجهة ثنائية بل امتد ليشمل النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي في كامل الشرق الأوسط في العقدين التاليين صارت العلاقة أكثر تعقيدًا مع تصاعد البرنامج النووي الإيراني إذ رأت الولايات المتحدة الامريكية في هذا البرنامج تهديدًا للأمن الإقليمي والعالمي بينما اعتبرت إيران حقها السيادي في تطوير الطاقة النووية لأغراض سلمية وهو ما أدى إلى التوصل لاتفاقية النووي في عام ٢٠١٥ إلا أن انسحاب الولايات المتحدة الامريكية الأحادي من الاتفاق في عام ٢٠١٨ أعاد فرض العقوبات الاقتصادية الشديدة وأعاد العلاقة إلى مستويات توتر غير مسبوقة منذ الثورة الإسلامية.
العقوبات الأمريكية التي استهدفت الاقتصاد الإيراني بشكل مباشر كانت متنوعة وشاملة شملت القطاعات النفطية والمصرفية والصناعية وحتى التكنولوجية وهو ما أثر بشكل كبير على التضخم والبطالة ومستوى المعيشة لكنه لم ينجح في كسر إرادة إيران في الدفاع عن سيادتها ومصالحها الاستراتيجية.
هذا الأمر يعكس الطبيعة المعقدة للصراع إذ تتطلب السيطرة أو النفوذ مزيجًا من القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والدبلوماسية الذكية بينما تعتمد إيران على استراتيجيات المقاومة والتكيف الداخلي والخارجي للحفاظ على استقلالها واستمرار نفوذها في المنطقة.
كما أن تدخلات إيران الإقليمية أثبتت قدرتها على التوسع السياسي والعسكري دون أن تتجاوز حدودها الاستراتيجية بينما كانت الولايات المتحدة الامريكية تحاول احتواء هذا النفوذ من خلال الدعم العسكري والسياسي لحلفائها الإقليميين وهو ما أدى إلى سلسلة من الصراعات بالوكالة التي أظهرت مدى تعقيد المواجهة الثنائية بين الطرفين.
مع صعود قوى إقليمية ودولية جديدة مثل روسيا والصين وظهور تحالفات متعددة الأطراف أصبحت المواجهة بين إيران وأمريكا جزءًا من لعبة استراتيجية أوسع تشمل العديد من اللاعبين في الشرق الأوسط والعالم وهو ما جعل إيران لاعبًا محوريًا في تحديد مسارات الطاقة والأمن الإقليمي والدولي بينما تسعى الولايات المتحدة الامريكية للحفاظ على نفوذها وهيمنتها الاستراتيجية.
هذه البيئة المعقدة أدت إلى سلسلة من التحركات الدبلوماسية المرنة والهشة حيث تم اللجوء إلى اتفاقيات جزئية ومفاوضات غير مباشرة ووساطات دولية في أوقات مختلفة لكنها غالبًا ما كانت تتأثر بتقلبات السياسة الداخلية في كل من إيران وأمريكا بما في ذلك التغيرات في الإدارات الأمريكية وتوجهات الحكومة الإيرانيةمن منظور أكاديمي يظهر أن العلاقة بين إيران وأمريكا ليست مجرد صراع على النفوذ السياسي أو الموارد الاقتصادية بل هي صراع طويل الأمد على الهوية والسيادة والمكانة الإقليمية والدولية ويظل تأثيره ممتدًا على جميع جوانب الحياة في الشرق الأوسط والعالم ويشكل محورًا أساسيًا لفهم التحولات في السياسة الدولية والتحالفات الاستراتيجية ومستقبل الأمن الإقليمي والعالمي.
على الرغم من التوتر المستمر فإن العلاقة تظهر قدرة على التكيف والتفاوض عند الضرورة وهو ما يوضح أن الصراع ليس ثابتًا ولكنه ديناميكي يتغير وفق المصالح الإقليمية والدولية ويتأثر بالاقتصاد العالمي التوازن العسكري والمواقف السياسية الداخلية في النهاية صراع إيران وأمريكا هو أكثر من مجرد خلاف بين دولتين فهو يمثل مواجهة مستمرة على النفوذ والكرامة الوطنية والمصالح الاستراتيجية وهو صراع ستستمر تداعياته لعقود قادمة ويظل فحصه وتحليله عنصرًا أساسيًا لأي دراسة شاملة للسياسة الدولية أو الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لأنه يجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والأمن بطريقة تجعل فهمه مفتاحًا لفهم موازين القوى العالمية واستراتيجيات الصراع المستقبلية في المنطقة.
أما ما هو متوقع في الأيام القادمة فيبدو أن العلاقة ستظل قائمة على مزيج من التوتر والتحركات الدبلوماسية الحذرة وإيران من المحتمل أن تواصل تطوير برنامجها النووي والاستفادة من نفوذها الإقليمي بينما ستركز الولايات المتحدة الامريكية على تعزيز تحالفاتها الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط مع إمكانية اللجوء إلى عقوبات اقتصادية جديدة أو محاولات تفاوضية تحت ضغط التحولات الدولية.
كما أن صعود الصين وروسيا كقوى مؤثرة في المنطقة يضيف طبقة جديدة من التعقيد إذ قد تعتمد إيران على دعم هذه القوى لموازنة النفوذ الأمريكي في حين ستجد واشنطن نفسها مضطرة لإعادة تقييم استراتيجياتها التقليدية.
من الناحية الواقعية يبدو أن المستقبل القريب سيشهد مزيجًا من المنافسة الشديدة والضغط الدبلوماسي المتقطع مع احتمالية التفاوض الجزئي والاتفاقيات المؤقتة دون أن تكون هناك تسوية شاملة حقيقية في المدى القصير والتحدي الأكبر لكل طرف سيكون إدارة الصراع بطريقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة وفي الوقت نفسه تحافظ على المصالح الاستراتيجية والسيادة الوطنية.
بعبارة أخرى، العلاقة ستظل متوترة، مع تناوب موجات من التصعيد والتهدئة لكن المؤكد أنها ستظل محورًا حيويًا لفهم السياسات الإقليمية والدولية وستواصل تشكيل مستقبل الشرق الأوسط على مدى العقود القادمة مما يجعل دراستها وتحليلها ضرورة لفهم ديناميات القوة والصراع في العالم المعاصر.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر