فلسفة النقد: سؤالٌ تفاعليٌّ مفتوح … بقلم: عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لم يعد النقد الأدبي مجرّد ممارسة تحليلية تُعنى بتفكيك النصوص أو تقويمها وفق معايير جاهزة، بل غدا فعلًا ثقافيًا مركّبًا يتداخل فيه المعرفي بالأخلاقي، والمنهجي بالإنساني. فالنقد، في صورته العميقة، ليس تقنية تُستعمل ولا سلطة تُمارس، بل وعيٌ يراجع ذاته بقدر ما يراجع النص، ويختبر أدواته كما يختبر نتائجه. ومن هنا تبرز فلسفة النقد بوصفها تفكيرًا في النقد نفسه: في مشروعيته، وحدوده، ووظيفته، وصلته بتشكيل الوعي الفردي والجمعي.
ينطلق النقد، في جوهره، من كشف المعنى لا من محاكمة النص. فالمعنى ليس واحدًا ولا نهائيًا، بل متعدد الطبقات، يتكشف تبعًا لدرجة وعي الناقد، وقدرته على الإنصات، ونوع الأدوات التي يشتغل بها. غير أن هذا التعدد لا يفضي إلى الفوضى، لأن الكشف الأول هو الذي يحدد طبيعة المسار التأويلي: هل المعنى كامن في بنية النص قبل القراءة، أم يتكوّن أثناء الفعل القرائي، أم يتولّد من التفاعل بين النص والوعي؟ في هذا الأفق، يصبح النقد فعل اكتشاف لا فعل إدانة، ومسؤولية معرفية لا سلطة حكم، لأن النص لا يُستدعى إلى محكمة، بل يُقابَل بوصفه كائنًا حيًا ابن اللغة، له خصوصيته الداخلية وإيقاعه الدلالي المتحرّك.
ولا يوجد نقد بلا منهج، حتى حين يدّعي ذلك. فكل قراءة تستبطن تقنينًا منهجيًا، معلنًا كان أم مضمرًا. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المناهج ذاتها، بل في غياب الوعي بتطبيق المنهج كما وُضع وأُسّس. فالفجوة بين النظرية والتطبيق ليست عيبًا في المنهج، بل مرآة لدرجة استيعاب الناقد له. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تحوّل النقد إلى ممارسة شكلية، أو إلى عنف تأويلي يُخضع النص بدل أن يفهمه. من هنا تغدو مراجعة التأصيل النظري ونقده ضرورة دائمة بعد كل نتيجة، لأن المنهج الذي لا يراجع ذاته يتحوّل من أداة كشف إلى عائق رؤية، ومن وسيلة فهم إلى قيد معرفي.
وفي هذا السياق، لا يعود الناقد موظفًا منهجيًا ولا قاضيًا ذوقيًا، بل يصبح وعيًا فاعلًا. ويمكن القول، في تعريف مكثّف، إن الناقد هو من يعي النص كما يعي ذاته. فالنقد فعل تفاعلي يشمل معرفة النص، وتخلّق الناقد، وتحول وعيه أثناء القراءة. والناقد الحقيقي لا يبحث عن يقين مغلق، بل يعترف بالقصور بوصفه شرطًا للتقدم، لأن الاعتراف بالقصور ليس ضعفًا، بل نواة السلوك النقدي السليم، ودافعًا لمراجعة النتائج ومقارنة القراءات والانفتاح على إمكانات الفهم.
وإذا كانت رسالة الأدب هي تحرير الوعي، فإن النقد ليس غاية في ذاته، بل ممارسة تربوية وثقافية تُسهم في هذا التحرير على نحو تراكمي. فالتحرير لا يتحقق دفعة واحدة، ولا عبر أحكام صادمة أو خلاصات نهائية، بل عبر توجيه مسار الوعي، وتوسيع أفق السؤال، وكسر الطمأنينة الزائفة التي تصنعها الإجابات المغلقة. ومن هنا فإن أزمة النقد المعاصر ليست أزمة مناهج، بل أزمة وعي بتطبيق المناهج، وأزمة تصور لوظيفة الناقد قبل تعلّمه الأدوات والمصطلحات.
تنتهي هذه الرؤية إلى نتيجة مركزية مفادها أن قيمة النقد لا تُقاس بما يقدّمه من إجابات نهائية، بل بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة. فالإجابات النهائية، في جوهرها، ليست سوى أسئلة مؤجلة بصيغة أخرى، وما إن تتحول الإجابة إلى يقين مغلق حتى تغدو عائقًا أمام التفكير. لذلك يمكن تعريف فلسفة النقد بأنها فن إبقاء السؤال متفاعلًا دون تحويله إلى يقين مُغلِق، أي الحفاظ على حيوية الفكر، ومنع تحجّره داخل قوالب نهائية، مهما بدت منضبطة أو مطمئنة.
بهذا المعنى، يغادر النقد منطق الأحكام المغلقة إلى أفق الفعل الإنساني المفتوح، ويتحوّل من سلطة تفسير إلى تجربة وعي، ومن تقنية تحليل إلى سلوك ثقافي مسؤول. وإذا كان لا يقين مع المنطلق، وكان الخطأ أسلوبًا ناجحًا للتقدّم، فإن النقد الحقّ هو ذاك الذي يعرف كيف يمضي في طريق المعرفة وهو يسأل، لا وهو يدّعي الامتلاك.

اترك رد